كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 173 """"""
احتوى على مصر والإسكندرية وبلاد النوبة ، وبعث مفاتيح ثغر الإسكندرية إلى كسرى في سنة ثمان وعشرين من ملكه ، وقصد قسطنطينية فأناخ على ضفة الخليج الذي هو بالقرب منها وخيم هنالك ، فأمره كسرى فجرب بلاد الروم غضباً على أهلها لما انتهكوا من ملكهم وانتقاماً له ، ومع ذلك لم يخضعوا لابن ملكهم المقتول ولا منحوه الطاعة ، ولا مال إليه واحد منهم ؛ غير أنهم قتلوا الملك الذي ملكوه عليهم بعد أبيه المسمى قوقا لما ظهر لهم من فجوره وسوء تدبيره ؛ وملكوا عليهم رجلاً يقال له هرقل . فلما رأى هرقل عظم ما فيه أهل بلاد الروم من تخريب جنود فارس بلادهم ، وقتلهم مقاتليهم ، وسبيهم ذراريهم ، واستباحتهم أموالهم تضرع إلى الله وأكثر الدعاء وابتهل . فيقال إنه رأى في منامه رجلاً ضخم الجثة رفيع المجلس قد دخل عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل : إني قد أسلمته في يدك ، فلم يقصص رؤياه في يقظته على أحد حتى توالت عليه أمثالها ، فرأى في بعض لياليه كأن رجلاً دخل عليهما وبيده سلسلة طويلة فألقاها في عنق صاحبه ، أعني صاحب المجلس الرفيع ، ثم دفعه إليه وقال له : ها قد دفعت إليك كسرى برقبته .
فلما تتابعت هذه الأحلام قصها على عظماء الروم وذوي العلم منهم ، فأشاروا عليه أن يغزوه ، فاستعد هرقل واستخلف ابنه على مدينة قسطنطينية واخذ عن الطريق الذي فيه شهريار صاحب كسرى وعدل إلى غيرها ، وسار حتى أوغل في بلاد أرمينية ونزل نصيبين سنة ، وكان صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى استدعى لموجدة كانت من كسرى عليه . وأما شهريار فقد كانت كتب كسرى ترد عليه في الجثوم على الموضع الذي هو به وترك البراح ، ثم بلغه أن هرقل قد أقام بجنوده بنصيبين ، فوجه كسرى لمحاربة هرقل رجلاً من قواده يقال له : راهزر في اثني عشر ألف رجل من الأنجاد ، وأمره أن يقيم بنينوى - وهي الموصل - على شاطئ دجلة ويمنع الروم أن يجوزوها . وكان كسرى بلغه خبر هرقل ، وهو يومذاك بدسكرة الملك ، فنفذ الجيش لمنعه من جواز دجلة ، فعسكروا حيث أمرهم كسرى ، فقطع هرقل دجلة من موضع آخر إلى الناحية التي فيها جنود فارس ، فاذكى راهزار العيون عليه ، فاخبروه أن هرقل في سبعين ألف مقاتل ، فأيقن راهزار ومن معه من الجند أنهم عاجزون عن