كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 175 """"""
إليه : إن في رجال فارس خلفاً منه ، فعجل إلي برأسه ، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه ، وبعث بريداً إلى أهل فارس : إني قد نزعت عنكم شهرياز واستعملت فرخان ، فانقاد له شهرياز وقال : سمعاً وطاعةً ، ونزل عن سريره وجلس عليه فرخان ، ثم دفع البريد صحيفة صغيرة إلى فرخان كان كسرى قد أعطاها له وقال له : إذا انقاد شهرياز إلى طاعة فرخان فأعط فرخان هذه الصحيفة ، فلما قرأها فرخان قال : علي بشرهياز فأتي به فقدم ليضرب عنقه فقال : لا تعجل علي حتى أكتب وصيتي ، ثم دعا بسفط وأخرج منه ثلاث صحائف ، وهي التي كان كسرى أمر شهرياز فيها بقتل فرخان وقال له : كل هذه راجعت كسرى فيها عنك ، وأنت تريد أن تقتلني بكتاب واحد ؛ فرد الملك إلى أخيه واعتذر منه ، فكتب شهرياز إلى هرقل ملك الروم : إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ، ولا تبلغها الصحف ، فألقني ولا تأتيني إلا في خمسين رومياً ، فإني أيضاً ألقاك في خمسين فارسياً ، فاقبل هرقل في خمسمائة ألف رومي ، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق ، خاف أن يكون قد مكر به ، فأتته عيونه أنه ليس مع شهرياز إلا خمسين رجلاً .
قال : ثم التقيا وقد بسط لهما في قبة من الديباج ضربت لهما ، فاجتمعا ومع كل واحد منهما سكين ، ودعوا ترجماناً يترجم لكل منهما عن قول الآخر ؛ فقال شهرياز لهرقل : إن الذين خربوا مدينتك وبلغوا منك ومن جندك ما بلغوا أنا وأخي بشجاعتنا وكيدنا ، وإن كسر حسدنا وأراد قتل أخي وكتب إلي بقتله فأبيت ، ثم أمر أخي أ ، يقتلني وقد خلعناه جميعاً ونحن نقاتله معك . قال : قد أصبتما ووفقتما ، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه : إن السر إنما يكون بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا ، قال الآخر : نعم ، فقاما جميعاً إلى الترجمان بسكينيهما فقتلاه ، واتفقا على قتال كسرى أبرويز .
ومما اتفق في أيامه من الحوادث يوم ذي قار ، وسنذكره - إن شاء الله تعالى - في أيام العرب ووقائعها ، ولم نذكر في هذا الموضع يوم ذي قار على سبيل الإيراد له بل على سبيل التنبيه عليه .

الصفحة 175