كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 176 """"""
ذكر حيلة لأبرويز على ملك الروم
قال : كان أبرويز وجه رجلاً من جلة أصحابه في جيش جرار إلى بلاد الروم ، فنكأ فيهم ، وبلغ منهم ، وفتح الشام ، وبلغ الدرب في آثار الروم ، فعظم أمره حتى خافه أبرويز ، فكاتبه لكتابين ، يأمره في أحدهما أن يستخلف على جيشه من يثق به ، ويقبل إليه ، ويأمره في الكتاب الآخر أن يقيم بمكانه ، وأنه لما تدبر أمره ، وأجال الرأي لم ير من يسد مسده ، ولم يأمن الخلل إن غاب عن موضعه ، وأرسل بالكتابين رسولاً من ثقاته وقال له : أعطه الكتاب الأول بالأمر بالقدوم ، فإن أجاب إلى ذلك فهو ما أردت ، وإن كره وتثاقل عن الطاعة فاسكت عليه أياماً وأعلمه أن الكتاب الثاني ورد عليك وأوصله إليه ليقيم بموضعه . فخرج رسول كسرى حتى أتى صاحب الجيش ببلاد الشام فأوصل إليه الكتاب ، فلما قراه قال : إما أن يكون كسرى قد تغير لي وكره موضعي ، أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلي وأنا في نحر العدو ؛ فدعا أصحابه وقرا عليهم الكتاب فأنكروه . فلما كان بعد ثلاثة أيام أوصل إليه الكتاب الثاني بالمقام وأوهمه أن رسولاً ورد به . فلما قرأه قال : هذا تخليط ولم يقع منه موقعاً ، ودس إلى ملك الروم من باطنه في إيقاع الصلح بينهما على أن يخلي الطريق لملك الروم حتى يدخل إلى بلاد العراق على غرة من كسرى ، وعلى أن لملك الروم ما يغلب عليه من دون العراق ، وللفارسي ما وراء ذلك من بلاد فارس ، فأجابه ملك الروم إلى ذلك وتنحى الفارسي عنه في ناحية من الجزيرة ، وأخذ أفواه الطريق فلم يعلم كسرى حتى ورد خبر ملك الروم من ناحية قرقيسيا ، وكسرى على غير استعداد ، وجنده متفرقون في أعماله . فلما أتاه الخبر وثب عن سريره وقال : هذا وقت حيلة ومكيدة ، لا وقت شدة ، وجعل ينكث الأرض ملياً ، ثم دعا برق فكتب فيه كتاباً صغيراً بخط دقيق إلى صاحبه بالجزيرة يقول فيه : ثم علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب