كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 177 """"""
الروم وأطماعهم في نفسك ، وتخلية الطريق حتى إذا تولج بلادنا أخذته من أمامه ، وأخذته ومن ندبناه معك من خلفه فيكون في ذلك بواره ، وقد تم في هذا الوقت ما دبرناه ، وميعادك في الإيقاع به يوم كذا وكذا ، ثم دعا راهباً في دير بجوار مدينته وقال له : أي جار كنت لك ، قال : أفضل جار ، فقال : قد بدت لنا إليك حاجة ، فقال الراهب : الملك أجل من أن يكون له إلي حاجة ، ولكن عندي بذل نفسي ، فما يأمر به الملك ؟ قال كسرى : تحمل لي كتاباً إلى فلان صاحبي ، قال نعم ، قال كسرى : ستمر بأصحابك النصارى فأخفه ، فلما ولى عنه الراهب قال له كسرى : أعلمت ما في الكتاب ؟ قال لا : قال : فلا تحمله حتى تعلم ما فيه . فلما قرأه أدخله في جيبه ثم مضى . فلما صار في عسكر الروم ونظر إلى الصلبان والقسيسين وضجيجهم بالتقديس والصوات احترق قلب الراهب وأشفق عليهم وقال في نفسه : أنا شر الناس إن حملت بيدي حتف النصرانية ، وهلاك هؤلاء الخلق ؛ فصاح الراهب : أنا لم يحملني الملك كسرى رسالة ولا معي كتاب ، فأخذوه فودجوا الكتاب معه ، وقد كان كسرى أيضاً وجه رسولاً قبل ذلك وأمره أن يمر بعسكر الروم كأنه رسول إلى كسرى من صاحبه الذي وافق ملك الروم ومعه كتاب فيه : إن الملك كان قد أمرني بمقاربة ملك الروم ، وأن أخدعه وأخلي له الطريق ، فيأخذه الملك من أمامه وآخذه أنا من خلفه ، وقد فعلت ذلك ، فرأى الملك في إعلامي وقت خروجه إليه . فأخذ ملك الروم الرسول وقرأ الكتاب وقال : قد عجبت من أن يكون هذا الفارسي معي على كسرى ، ووافاه ويأسر من أدرك ، وبلغ صاحب كسرى هزيمة الروم فأحب أن يخلي نفسه ويستر ذنبه . فلما قاته ما دبر خرج ملك الروم يقتل فيهم ويأسر ، فلم يسلم منهم إلا القليل .
ذكر سبب هلاك أبرويز وقتله
قال : وكان سبب ذلك تجبره واحتقاره للعلماء وعتوه ، وذلك أنه استخف بما لا يستخف به الملك الحزم ، وكان قد جمع من المال ما لم يجمعه أحد من الملوك ، وبلغت خيله إلى قسطنطينية وأفريقية ، وكانت له اثنتنا عشرة ألف امرأة وجارية ، وألف فيل إلا فيل واحد ، وخمسون ألف دابة ، ومن الجواهر والأواني والآلات ما يليق بذلك ، وأمر أن يحصى ما جبى من بلاده وسائر أبواب المال سنة ثماني عشرة من