كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 179 """"""
إلى أن قتل بعد حديث طويل ومراسلات كانت بينه وبين ابنه شيري بمواطأة العظماء ، بعد تقريع عظيم ، وتوبيخ كثير ، على ما كان منه ، ومن سوء تدبيره ، وقبح فعاله ، وهو يجيبهم بأجوبة إقناعية ، وله مراسلات ووصايا كتبها إلى ابنه من السجن ؛ قد ذكرنا بعضها فيما سلف من هذا الكتاب . وكان هلاكه بعد ثمان وثلاثين سنة من ملكه . وبمضي اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوماً من ملكه ، كانت هجرة سيدنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من مكة إلى المدينة .
قال : ولما قبض على كسرى خلف في بيت المال من الورق أربعمائة ألف بدرة سوى الكنوز والذخائر والجواهر والآلات .
وكان وزيره والقائم بتدبير بزرجمهر الحكيم . ولبزرجمهر هذا قضايا وحكم ومواعظ في أيدي الناس . ويقال : إن بزرجمهر هذا إنما كان وزيراً لكسرى أنوشروان ، وهو الذي قتله . وذلك أن بزرجمهر ترك المجوسية ورجع إلى دين عيسى بن مريم عليه السلام ودان به ، فقتله كسرى لذلك . ويقال : إنه وجد في منطقته لما قتل كتاب فيه : إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل ، وإذا كان الغدر في الناس طباعاً فالثقة بكل أحد عجز ، وإذا كان الموت نازلاً فالطمأنينة إلى الدنيا حمق .
قالوا : ولما بلغ بزرجمهر من العمر خمس عشرة سنة دخل على كسرى ، وقد جلست الوزراء على كراسيها والمرازبة في مجالسها ، فوقف وحيا الملك بتحية الملوك ثم قال : الحمد له المأمون نعمه ، المرهوب نقمه ، الدال عليه ، بالرغبة إليه ، المؤيد الملك ، بسعوده في الفلك ، حتى رفع شأنه ، وعظم سلطانه ، وأنار به البلاد ، وأنعش به العباد ، وقسم به في التقدير ، وجوه التدبير ، فرعى رعيته بفضل نعمته ، وحماها الموبلات ، وأوردها المعشبات ، وذاد عنها الأكالين ، وألفها بالرفق واللين ، إنعاماً من الله عليه ، وتثبيتاً لما في يديه . وأسأله أن يارك له فيما آتاه ، ويخبر فيما استرعاه ، ويرفع قدره في السماء ، ويسير ذكره على وجه الماء ، حتى لا يبقى له بينهما مناوى ، ولا يوجد له مساوي . واستوهب الله له حياة لا يتنغص فيها ، وقدرة لا يحيد أحد عنها ، وملكاً لا بؤس فيه ، وعافية تديم له البقاء ، وتكثر له النماء ؛ وعزا يؤمنه من انقلاي رعيته ، أو هجوم بليت ، فإنه مؤتى الخير ، ودافع الشر .
فلما سمعه كسرى أمر فخشي فمه بنفيس الجواهر ، ولم تمنحه حداثة سنه أن استوزره ، وقلده خيره وشره ؛ فكان أول داخل ، وآخر خارج . وكان أبوه خامل القدر ، وضيع الحال ، سفيه المنطق ، اسمه البختكان .

الصفحة 179