كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 185 """"""
. إنما ينبغي لك أن تلعب مع الصبيان بالصولجان ولا تتقلد الملك ولا تلبث به ، ويعلمه أنه لم يقتصر على ما أمره به وتعاطى الملك بعد أن أمره باعتزاله بعث إليه بمن يأتيه في وثاق . وان عدة جنوده الذين يبعث بهم إليه كعدة حب السمسم الذي بعث به إليه .
فكتب إليه الإسكندر في جواب ذلك : أنه قد فهم ما كتب به ، ونظر إلى ما أرسله إليه من الصولجان والكرة وتيمن به لإلقاء الملقي الكرة إلى الصولجان وإحرازه إياها ، وأنه شبه الأرض بالكرة ، وتفاءل بملكه إياها واحتوائه عليها ، وأنه يجتر ملك دارا إلى ملكه ، وبلاده إلى حيزه ؛ وأنه نظر إلى السمسم الذي بعث به كنظره إلى الصولجان والكرة لدسمه وبعده عن المرارة والحرافة ، وبعث إلى دارا مع كتابه بصرة من خردل ، وأعلمه في الجواب أن ما بعث به إليه قليل ، غير أن ذلك مثل الذي بعث به في القوة والحرافة والمرارة ، وأن جنوده فيما وصف به منه .
فلما وصل إلى دارا جواب كتاب الإسكندر ، جمع جنده وتأهب لحربه وسار نحو بلاده ، وتأهب الإسكندر أيضاً للقائه وسار نحو دارا ، فالتقيا جميعاً بأرض الجزيرة واقتتلا سنة ، وقد كان دارا ملة قومه وأحبوا الراحة منه ، فلحق كثير من وجوه فارس بالإسكندر وأطلعوه على عورة دارا وقووه عليه ، ثم وثب على دارا حاجباه فقتلاه وتقربا برأسه إلى الإسكندر ، فلما أتوه بها أمر بقتلهما وقال : هذا جزاء من تجرأ على ملكه .
وقد ذكر أنه سيق إليه أسير غدر به صاحب شرطته ، فقال له الإسكندر : بما اجترأ عليك صاحب شرطتك ؟ قال : بتركي ترهيبه وقت إساءته ، وإعطائي إياه وقت الإحسان باليسير من فعله نهاية رغبته ، فقال الإسكندر : نعم العون على إصلاح القلوب الموغرة الترغيب بالأموال ، وأصلح منه الترهيب وقت الحاجة ثم أمر الإسكندر بقتله .
وقد قيل : إنه لما هزمه الإسكندر فر جريحاً فخرج في طلبه في ستة آلاف حتى أدركه ، ثم لم يلبث دارا أن هلك ، فأظهر الإسكندر عليه الحزن ودفنه في مقابر الملوك .