كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 186 """"""
وقيل : إن الإسكندر كان قد نادى ألا يقتل دارا وان يؤسر . فلما علم الإسكندر بما تم على دارا سار حتى وقف عنده فرآه يجود بنفسه فنزل الإسكندر عن دابته وجلس عند رأسه ، وأخبره أنه ما أمر بقتله ، وأن الذي أصابه لم يكن عن رأيه . وقال : سلني ما بدا لك فإني أسعفك به ، فقال له دارا : لي إليك حاجتان : إحداهما أن تنتقم لي من الرجلين اللذين قتلاني وسماهما له ، والأخرى أن تتزوج ابنتي روشنك ، فأجابه إلى ذلك ، وأمر بصلب الرجلين اللذين فتكاً بدارا . ويقال : إن الرجلين اللذين قتلاه إنما فعلا ذلك عن رأي الإسكندر ، وأنه كان شرط لهما شرطاً على قتله ، فلما طعناه دفع إليهما ما كان شرطه لهما ثم قال : قد وفيت لكما بالشرط ولم تكونا شرطتما لأنفسكما وأنا قاتلكما لا محالة ، فإنه ليس ينبغي لقتلة الملك أن يسبقوا إلا بذمة لا تخفر ، فقتلهما وصلبهما .
ويقال إن الإسكندر في الأيام التي نازل فيها دارا كان يسير إليه بنفسه على أنه رسول فيتوسط العسكر ويعرف كثيراً مما يحتاج إليه ، فكان دارا يستحسن سمته ، ويحسن صلته ومجازاته ، ثم اتهمه ، وأحس الإسكندر بذلك فما عاد إليه بعدها .
ذكر شيء من مكايد الإسكندر وحيله في حروبه
من ذلك أنه لما التقى بدارا يوم الحرب أمر مناديه فنادى : يا معشر الفرس ، قد علمتم ما كتبنا لكم من الأمانات ، فمن كان منكم على الوفاء فليعتزل عن العسكر وله منا الوفاء بما ضمناه فاتهمت الفرس بعضها بعضاً ، وكان ذلك أول اضطراب حدث فيهم . ومن ذلك أنه لما شخص عن فارس إلى أرض الهند تلقاه ملكها قور في جمع عظيم من الهنود ومعه ألف فيل عليها المقاتلة بالسلاح وفي خراطيمها السيوف والعمد ، فلم تقف لها دواب الإسكندر وفوت فكانت الهززيمة عليه ، فلما بلغ الإسكندر مأمنه أمر باتخاذ فيلة من نحاس مجوفة وربط خيله بين تلك التماثيل حتى ألفتها ، ثم أمر فملئت نفطاً وألبسها الدروع وجرت على العجل ، وعاود حرب الهند ، وجعل بيم كل تمثالين جماعة من أصحابه . فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النيران في أجواف تلك التماثيل وانكشف أصحابه عنها وغشيتها فيلة الهند ،