كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 187 """"""
فخرجت النيران من خراطيم التماثيل فولت الفيلة مدبرة ورجعت على أصحابها ، فكانت الدائرة على الهند وقتل ملكهم قور .
ومما يحكى عنه أنه نزل على مدينة حصينة فتحصن فيها أهلها ، فتعرف خبرها فقيل له : إن فيها من الميرة ما يكفيهم زمناً طويلاً ، وإن بها نم العيون والأنهار ما لا يقدر على قطعه ، فارتحل عنها ودس جماعة من التجار متنكرين ، فدخلوها وأمدهم بالأموال الكثيرة ، وأمرهم أن يبتاعوا الأقوات ويغالوا في أثمانها ، ففعلوا ذلك حتى حازوا أكثر ما فيها . فلما علم الإسكندر بذلك كتب إليهم يأمرهم بإحراق ما حصلوه من الأقوات وان يهربوا ، ففعلوا كما أمرهم ، وعاد إلى المدينة وحاصرها وزحف عليها فأعطوه الطاعة وملك المدينة . وكان إذا أراد أن يحاصر مدينة شرد من حولها من أهل القرى وتهددهم بالسبي فلجأوا إلى المدينة ويعتصموا بها ، فلا يزال كذلك حتى يعلم أنه قد دخلها أضعاف أهلها وأسرعوا في الميرة فيحاصرهم حينئذ فيفتح المدينة .
ومما يحكى عنه أنه كتب إلى معلمه أرسطاطاليس ، وكان الإسكندر يشاوره في كثير من أموره ، ويقتدى بآرائه ، ويعمل بما يشير به عليه ولاي عدل عنه . وأرسطاطاليس هذا هو تلميذ أفلاطون صاحب الفراسة تلميذ سقراط .
ويحكى عن أفلاطون انه كان يصور له صورة إنسان لم يره قط ولا عرفه فيقول : صاحب هذه الصورة من أخلاقه كذا ، ومن هيئته كذا ، فيكون الرجل كما اخبر عنه ، فيقال : إنه صور له صورة نفسه ، فلما عاينها قال : هذا رجل محب في الزنا فقيل له : إنها صورتك ، فقال : نعم أنا كذلك ، ولولا أني أملك نفسي لفعلت وغني لمحب فيه .
نرجع إلى أخبار الإسكندر فيما كتب به أرسطاطاليس وما أجابه به قالوا : إنه كتب إليه يخبره أن في عسكره من الروم جماعة من خاصته لا يأمنهم على نفسه لما يرى من بعد هممهم في شجاعتهم وكثرة آلتهم . وأنه لا يرى لهم عقولاً تفي بتلك الفضائل التي تمنعهم من الإقدام والجرأة عليه ، وأنه يكره الإقدام عليهم بالقتل بمجرد الظنة مع وجوب الحرمة .

الصفحة 187