كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 188 """"""
فكتب إليه أرسطاطليس : قد فهمت كتابك ، وما زصفت به أصحابك . أما ذكرت من بعد هممهم فإن الوفاء من بعد الهمة . وأما ما ذكرت من شجاعتهم ونقص عقولهم عنها ، فمن كانت هذه حاله فرفهه ف معيشته واخصصه بحسان النساء ، فإن رفاهية العيش توهن العزم ، وتحبب السلامة ، وتباعد من ركوب الخطر والغرر ، وليكن خلقك حسناً تخلص إليك النيات ، ولا تتناول من لذيذ العيش بغضة . واعلم أن المملوك إذا اشترى لم يسال عن مال مولاه ، وإنما يسأل عن خلقه .
وكتب إليه الإسكندر بعلمه أنه شاهد بإيران شهر رجالاً ذوي أصالة في الرأي ، وجمال في الوجوه ، ولهم مع ذلك صرامة وشجاعة ، وأه رأى لهم هيئات وخلقاً لو كان عرف حقيقتها لما غزاهم ، وأنه إنما ملكهم بحسن الاتفاق والبخت ، وأنه لا باس إذا ظعن عنهم وتوبهم ولا تسكن نفسه إلا ببوارهم . فكتب إليه أرسطاطليس : فهمت كتابك في رجال فارس ؛ فأما قتلهم فهو من الفساد في الأرض ، ولو قتلتهم لأنبتت أرض فارس أمثالهم ، لان إقليم بابل يولد أمثال هؤلاء الرجال من أهل العقل ، والسداد في الرأي ، والاعتدال في التركيب ؛ فصاروا أعداءك وأعداء عقبك بالطبع ، لأنك تكون قد وترت القوم وكثرت الأحقاد على أرض الروم منهم وممن بعدهم ، وإخراجك إياهم في عسكرك مخاطرة بنفسك وأصحابك ؛ ولكني أشير عليك برأي هو أبلغ لك في كل ما تريد من القتل وغيره ، وهو ا ، تستدعي أولاد الملوك منهم وممن يستصلح للملك ويترشح له ، فتقلدهم البلدان وتوليهم الولايات ليصير كل واحد منهم ملكاً برأسه ، فتتفرق كلمتهم ، ويجتمعوا على الطاعة لك ، ولا يؤدي بعضهم إلى بعض طاعة ، ولا يتفقوا على أمر واحد ، ولا تجتمع كلمتهم . ففعل الإسكندر ذلك ، فتم أمره وأمكنه أن يتجاوز أرض فارس إلى أرض الهند حتى قتل ملكها مبارزة بعد حروب عظيمة . ثم صار إلى أرض الصين وطاف مما يلي القطب الشمالي ورجع إلى العراق فمات في طريقه بشهرزور ،

الصفحة 188