كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 190 """"""
المانكير . فلما دانت له ملوك الهند بلغه أن بأقاصي ديارها ملكاً من ملوكها ذا حكمة وسياسة وإنصاف لرعيته ، وأنه ليس في بلاد الهند من فلاسفتهم وحكمائهم مثله يقال له كند كان ، وأنه قاهر لنفسه مانع لها من الشهوة الغضبية ، فكتب إليه الإسكندر كتاباً يقول فيه : أما بعد ، فإذا أتاك كتابي هذا فإن كنت قائماً فلا تقعد ، وإن كنت ماشياً فلا تلتفت حتى تدخل في طاعتي ، وإلا مزقت ملكك وأحقتك بمن مضى من ملوك الهند من قبلك .
فلما ورد عليه الكتاب أجاب بأحسن جواب ، وخاطبه بملك الملوك ، وأعلمه أنه قد اجتمع عنده أشياء لم تجتمع عند غيره مثلها : فمن ذلك ابنة له لم تطلع الشمس على أحسن منها ؛ وفيلسوف يخبرك بمرادك قبل أن تسأله لحدة مزاجه وحسن قريحته ، واعتداله في بنيته ، واتساعه في علمه ؛ وطبيب لا يخشى عليه معه داء ولا شيء من العوارض إلا ما يطرأ من الفناء والدثور الواقع بهذه البنية ، وحل العقدة التي عقدها المبدع لها المخترع لهذا الجسم الحسي ، وإذا كانت بنية الإنسان وهيكله قد نصبا في هذا العالم غرضاً للآفات والحتوف والبلايا ؛ وقدح إذا ملأته شرب منه عسكرك بجمعه ولا ينقص منه شيء ، وإني منفذ جميع ذلك إلى الملك وصائر إليه . فلما قرأ الإسكندر كتابه قال : كون هذه الأشياء عندي ونجاة هذا الحكيم من صولتي أحب إلي من ألا تكون عندي ويهلك . فأنف إليه الإسكندر جماعة من الحكماء اليونانيين والروم في عدة من الرجال وتقدم إليهم أنه إن كان قد صدق فيما كتب به إلي فاحملوا ذلك إلى عندي واتركوه في موضعه ، وإن تبينتم الأمر على خلاف ذلك ، وأنه أخبر عن الشيء على خلاف ما هو به فقد خرج عن حد الحكمة فأشخصوه إلي . فلما انتهوا إلى مملكة الملك خرج إليهم وتلقاهم بأحسن لقاء ، وأنزلهم بأحسن منزل . فلما كان في اليوم الثالث جلس لهم مجلساً خاصاً للحكماء دون من كان معهم من المقاتلة . فقال بعضهم لبعض : إن صدقنا في الأول صدقنا فيما بعد ذلك مما ذكر .
فلما أخذت الحكماء مراتبها واستقرت بها مجالسها أقبل عليهم مباحثاً في أصول العلوم الفلسفية وفروعها ، وعلى كم فن يحتوي العلم الفلسفي في أصوله ، وإلى كم يتفرع .

الصفحة 190