كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 193 """"""
فتعدى ببصره إلى غير ذلك العضو اشتغالاً بحسنه عما سواه حتى خاف القوم على عقولهم ، ثم رجعوا إلى أنفسهم وقهروا سلطان هواهم ، ثم أراهم بعد ذلك ما تقدم الوعد به وصرفهم ، وبعث بالفيلسوف والطبيب والجارية والقدح معهم .
فلما وردوا على الإسكندر أمر بإنزال الفيلسوف والطبيب ، ونظر إلى الجارية فحار عند مشاهدتها ، فأمر قيمة الجواري بالقيام عليها ، ثم صرف همته إلى الفيلسوف والطبيب وإلى علم ما عندهما ، وقص عليه الحكماء ما جرى لهم مع الملك الهندي من المباحث في العلوم الفلسفية ، فأعجبه ذلك وتأمل أغراض القوم ومقاصدهم ، وأقبل ينظر في مطاردة الهند يعللها في معلولاتها ، وما يصفه اليونانيون أيضاً من عللها في معلولاتها على حسب ما قدمت من أوضاعها ، ثم أراد محنة الفيلسوف على حسب ما خبر عنه ، فأجال فيما يختبره به ، فدعا بقدح فملاه سمناً ولم يجعل للزيادة عليه موضعاً ، ورفعه لرسول وقال : احمل هذا إلى الفيلسوف ولا تكلمه بشيء ، فلما دفعه إليه دعا الفيلسوف بألف إبرة فغرزها في السمن وصرفه إليه ، فأمر الإسكندر بضرب تلك الإبر كرة متساوية الأجزاء وردها إليه ، فأمر الفيلسوف ببسطها وجلائها حتى صارت جسماً ترد صورة مقابليها لصفائها وردها إلى الإسكندر ، فدعا بطست وجعل تلك المرآة فيه وصب عليها الماء حتى غمرها وردها إليه ، فأخذها الفيلسوف وعمل منها طرجهالة طافية على إملاء وصرفها إليه ، فملأها الإسكندر وردها غليه ، فلما نظر الفيلسوف إلى التراب تغير لونه وبكى ثم ردها إلى الإسكندر ولم يضع فيها شيئاً .
فلما كان في اليوم الثاني جلس الإسكندر جلوساً خاصاً ودعا بالفيلسوف ، ولم يكن رآه قبل ذلك اليوم ، فلما أقبل نظر الإسكندر من الفيلسوف إلى رجل طويل الجسم رحب الجبين معتدل البنية فقال في نفسه : هذه بنية تضاد الحكمة ، فإذا اجتمع له حسن الصورة والفهم كان أوحد زمانه ، فأدار الفيلسوف إصبعه حول وجهه ثم وضعه على أرنبة أنفه وأسرع نحو الإسكندر وحياه بتحية الملك ، فأشار إليه

الصفحة 193