كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 195 """"""
وأما القدح فملاه ماءً ثم أورد عليه الناس فلم ينقص شربهم منه شيئاً ، فيقال إنه كان معمولاً من خواص الهند الروحانية مما تدعيه الهند ، ويقال إنه كان لآدم أبي البشر عليه السلام ، مبارك له فيمه حين كان بأرض سرنديب ، فورث عنه إلى أن انتهى إلى هذا الملك الهندي .
وأما الطبيب فإنه كان له معه بنظرات دلت على ثبوت قدمه في علمه ، وأنه كما وصف صاحبه أوكاد . هذا خبره مع ملك الهند .
وأما خبره مع ملك لاصين ؛ قال أبو علي أحمد بن محمد بن مسكويه في كتابه المترجم بتجارب الأمم : وفي الرواية الصحيحة أن الإسكندر لما انتهى إلى بلاد الصين أتاه حاجبه وقد مضى من الليل شطره فقال : هذا رسول ملك الصين بالباب يستأذن في الدخول عليك ، قال : أدخله ، فأدخله فوقف بين يدي الإسكندر وسلم ثم قال : إن رأى الملك أن يستخليني فعل ، فأمر الإسكندر من بحضرته أن ينصرفوا ، فانصرفوا كلهم عنه وبقي حاجبه فقال : إن الذي جئت له لا يحتمل أن يسمعه غيرك ، فأمر الإسكندر أن يفتش ففتش ، فلم يجد معه سلاحاً ، فوضع بين يديه سيفاً مسلولاً وقال له : قف مكانك وقل ما شئت ، وأخرج الحاجب ومن كان قد بقي عنده ، فلما خلا المجلس قال له : أنا ملك الصين لا رسوله ، جئت لأسألك عما تريد ، فإن كان مما يمكن عمله ولو على أصعب الوجوه عملته وأغنيتك عن الحرب ، فقال له الإسكندر : وما الذي آمنك مني ؟ قال : علمي بأنك عاقل حكيم ، ولم تك بيننا عداوة ولا مطالبة بذحل ، وأنك تعلم أنك إن قتلتني لم يكن ذلك سبباً لتسليم أهل الصين إليك ملكهم ، لوم يمنعهم قتلي من أن ينصبوا لأنفسهم ملكاً غيري ثم تنسب أنت إلى غير الجميل وضد الحزم . فأطرق الإسكندر وعلم أنه رجل عاقل ، ثم قال له : إن لاذي أريد منك ارتفاع مملكتك لثلاث سنين عاجلاً ونصف ارتفاع مملكتك لكل سنة . قال : هل غير هذا ؟ قال لا ، قال : قد أجبتك ، ولكن سلني كيف تكون حالك ، قال : كيف تكون ؟ قال : أكون أول قتيل محارب ، وأول أكيلة مفترس . قال : فإن قنعت منك بارتفاع سنتين . قال : أكون أصلح قليلاً وأفسح مدة . قال : فإن قنعت بارتفاع سنة . قال : يكون في ذلك بقاء ملكي ، وذهاب لجميع لذتي . قال : قنعت منك بثلث الارتفاع كيف تكون خالك ؟ قال : يكون السدس للفقراء ومصالح العباد ، ويكون الباقي لجيشي ولسائر أسباب الملك . قال الإسكندر : قد اقتصرت منك على هذا ، فشكره وانصرف .