كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 208 """"""
حالهم فيما بينهم وبين ملوكهم وقومهم حتى أراد الله تعالى بهم ما أراد من هداهم والإيمان الذي نوره الله في قلوبهم .
قال قائل منهم : إني قد رأيت رأياً وقع في قلبي وأمراً ثبت فيه ، فلست أبصر غيره ، وليس يخرجه من قلبي شيء ، اسمعوا أعرض عليكم ، إني فكرت في خلق السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، والشمس والقمر ، والنجوم والسحاب والمطر ، والأحياء والأموات ، والنبات ، والصغار والكبار ، والبقاء والفناء ، والشدة والرخاء ، وتقلب الدنيا بأهلها ، والأطباق التي تنصرف عليها الخلق طبقاً بعد طبق ، قوماً عن قوم : من موت وحياة ، ونقص وزيادة ، وخفض ورفع ، وغنى وفقر ، وطول عمر ونقص آخر ، وموت صغير وهرم كبير ، وأشباه لذلك كثيرة ، وهي أكثر من أن تعد وتوصف أو تحصى ؛ فلما نظرت فيها وأعملت الري والنظر أجمع رأيي على أن لها خالقاً بديعاً ابتدعها ؛ ورباً يملكها ويدبرها ، ويخلقها ويرزقها ، ويغنيها ويفقرها ، ويرفعها ويخفضها ، ويحييها ويميتها ويفنيها ، تتقلب في قبضته وتعيش برزقه ؛ فلما تم لي الرأي نظرت في عظمة هذا الرب الذي ابتدع هذا الخلق وضبطه ، ودبره وأحكم أمره ، فإذا قدرته تأتي من وراء شيء ومن وراء كل شيء ، ثم نظرت في عظمة الرب هل أصفها كما وصفتها القدرة ، وهل أعلم كنهها ؟ فتحيرت فيها ، وعجز عنها الحلم والعلم ، وحسر عنها العقل والنظر ، وما بقي مما لم أذكره لكم معرفة القلب ولا نصفه إلا أنه قد ألهم بمعرفته واسر بها أكثر وأعظم وأعجب مما وصفت وشرحت لكم ، فماذا تقولون ، وماذا تعفون ، وماذا تفعلون ؟ قالوا : قد قلت قولاً عظيماً ووصفت أمراً عجيباً ، وما نحسبك إلا قد أصبت فيه الرأي والنظر ، وقد صدقناك وتابعناك ورأينا رأيك وواقع قلوبنا منه ومن معرفته مثل الذي عرفت وواقع قلبك ، وإن كنا لنرى مثل الذي رأيت من أعاجيب هذا الخلق وعظمة هذا الخالق ، وإن كان ليكثر أن يخطر على قلوبنا منه مثل ما خطر على قلبك ، ولكنا لم نشرح منه ما شرحت ولم نصف منه ما وصفت ، ولم نعمل الرأي والنظر في معرفته مثل ما أعملت وعرفت ، ولكن الله أراد هداك وتفضيلك وإكرامك بما سبقت إليه من هذا القول وهذا العلم وهذه المعرفة ، ولكن حدثنا عما نسألك

الصفحة 208