كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 210 """"""
يطلبون الصيد لما مسهم من الضر والحاجة ليس لهم كبير معيشة غيره ، فقالوا قولهم هذا ونظروا ما نظروا ، وهم يومئذ في الجبل الذي فيه كهفهم يطلبون الصيد ومعهم كلابهم وبزاتهم وقسيهم ونبلهم . فلما أجمع رأيهم أن يأووا إلى الكهف ليأتمروا فيه ، هل يقيمون مع قومهم على شركهم ، أم يفارقونهم فينتجعون ناحية من الأرض يحلون فيها ويوحدون فيها ربهم . فيبنا هم على ذلك ألقى الله عليهم السبات وأخفى على جميع خلقه مكانهم ، وصرف عنهم الأبصار والعقول ، فليس يبصرهم أحد ولا يفطن بمكانهم ، فلبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعاً حتى انقرضت الأمة التي كانوا فيها والملك الذي كان عليهم ، وظهر المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وآمن به الناس واتبعوا ملته ورفعه الله إليه وذهب زمانه وزمان أهل ملته وهم في كهفهم .
قال : وقد كان عيسى بن مريم عليه السلام قبل أن يرفعه الله يحدث عنهم وعن إيمانهم وبصيرتهم ، وكيف تفكروا في عظمة إلههم ، وكيف ألقى الله عليهم السبات في كهفهم ، وكيف أخفى مكانهم عن الناس ، ولا ينبغي لأحد أن يهتدي إليهم ولا يعرف مكانهم ، وكان يخبر أن الله سيرد إليه أرواحهم ويدل على كهفهم ليكونوا عبرة لمن خلفهم إن أراد أن يعتبر بهم .
قال : فرد الله إليهم أرواحهم بعد أن لبثوا في كهفهم العدة التي ذكرها الله عز وجل في القرآن ولزمهم كلبهم ، فلبث سنيهم كلها ، كما أخبر الله تعالى : وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد . والوصيد : فناء الكهف الذي فيه موضع الباب ، زكان الكلب من كلاب صيدهم ولم يطعهم ولم يشرب ليجعله الله آية من آياتهم . قال : فلما رد الله عليهم أرواحهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم إلى قوله : ولن تفلحوا إذا أبداً وهم حينئذ يظنون أن قومهم أحياء ، وانهم على ما يعهدون من حالهم وشركهم وعتو ملكهم ، فانطلق رجل منهم يقال له تمليخا ، وكان أشدهم وأنجدهم ، فتوجه حتى إذا خالط ربض

الصفحة 210