كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 211 """"""
المدينة أنكره وأنكر ما وجد به من الناس والدواب والبنيان وغير ذلك ، ووجد الناس على حال لم يكن يعهدها وسنة لم يكن يعرفها ، ووجدهم يبتاعون لورق لا يشبه الورق الذي معه ، فتحير وأنكر وأقبل وأدبر ، وأبطأ على أصحابه حتى خافوا عليه ، وظنوا أنه فطن به وقدر عليه . فلما طال عليه ذلك دخل المدينة من ناحية أخرى من نواحيها حفية فوجد حال أهل المدينة على حال أهل الربض في كل شيء ، فلما شك وارتاب والتبس عليه رأيه عمد إلى مشيخة من أهل المدينة توسم فيه الخير ليتجسس ويسمع قولهم ، فوجد معهم الإنجيل يقرءونه ، فسمع ما فيه ن توحيد الله وعظمته وعذابه وسنته وشرائعه وحلاله وحرامه ، فعرف ذلك وأذعن إليه وأنصت يسمع حتى إذا فرغوا من قراءتهم سألهم عن كتابهم فقالوا : هذا كتاب الله الإنجيل الذي أنزل على عيسى بن مريم عليه السلام نبيه . قال : وأين عيسى ؟ قالوا : قد رفعه الله تعالى إليه . قال : وكم لبث فيكم ؟ قالوا : ثلاثاً وثلاثين سنة . قال : وهل رأيتموه وأتيتموه وأدركتم زمانه ؟ قالوا : لا ، كان قبل أن نولد ، ووجدنا في أيدي آبائنا . قال : أفكل هذه المدينة تؤمن بهذا النبي وبهذا الكتاب وتعمل بما فيه مما أسمع من حلاله وحرامه ؟ قالوا : نعم ، إلا مستحقاً بذنب أو ظالماً لنفسه .
قال : فهل سمعتم بالملك الذي يقال له دقيوس ؟ قالوا : نعم . قال : فكم له منذ هلك ؟ قالوا : أكثر من ثلثمائةعام . قال : فهل بقي له عقب ، أو لأحد من أهل مملكته يعمل بعمله ؟ قالوا : لا . قال : فلو أراد أحد أن يعمل بمثل عمله ما كنتم تفعلون بع ؟ قالوا : نقتله أو نخرجه نم بين أظهرنا . فلما آمنهم واطمأن إليهم ورأى سمت الإسلام وهديه عليهم وفقه الله وهداه لمسألة سألهم عنها . قال : أخبروني ، هل كان نبيكم عيسى عليه السلام يخبركم عن سبعة رهط خرجوا من هذه المدينة في زمن دقيوس وقومه ، وهربوا إلى الله بأنفسهم ودينهم فراراً من دقيوس وقومه ، وما كانوا يعبدون من دون الله حتى آووا إلى الكهف في هذه الحال فاستخفوا فيها . فلما قال لهم هذا أوجسوا في أنفسهم أنه منهم ، قالوا : نعم ، قد كان يخبرنا عنهم فلعلك منهم فإنا ننكر حالك كله .
قال : فهل كان عيسى عليه السلام فيما بلغكم سمى أصحاب الطهف ؟ قالوا : نعم ؛ قال : فسموهم لي

الصفحة 211