كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 236 """"""
ذو نواس جعل السواك في فيه ، وجعل رأسه في تلك الكوة التي كان يشرف منها على عبيده ، ثم خرج على العبيد فقالوا له : ذو نواس ، أرطب أم يباس ؟ .
فقال لهم : سل نخماس استرطبان ذو نواس . استرطبان لابأس . وتفسير ذلك سلو الرأس التي في الكوة تخبركم واتركوا ذا نوس ، قال : فأجمعت حمير عليه أمرها وقالوا : ينبغي أن نملكه لأنه أراحنا من الهذا الفاسق .
فملك عليهم ذو ناس زرعة هذا . قال : ولما ملك واستتب له الأمر فارق عبادة الأوثان ودخل في دين اليهودية وقتل من كان في بلاد اليمن على دين عيسى ابن مريم عليه السلام ممن امتنع من موافقته ، ثم قصد نجران وبها عبد الله بن الثامر وأصحابه وهم على دين عيسى عليه السلام ، فسألهم الدخول في اليهودية فامتنعوا ، فقتل عبد الله بن الثامر بالسيف وأضرم للباقين ناراً عظيمة فألقاهم فيها ، وهم أصحاب الأخدود الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز فقال : قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود . إذ هم عليها قعود . وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود . وما نقموا منهم إلا أ ن يؤمنوا بالله العزيز الحميد . قال : ولم ينج منهم إلا نفر قليل . وكان سبب تهوده ا ، حمير لها بيت نار فيه أصنامهم ، وكان يخرج من تلك النار عنق يمد مقدار فرسخين ، فحضر عنده قوم من اليهود وقالوا : أيها الملك إن هذا العنق من النار شيطان ، فطلب منهم تبيان ذلك ، فنشروا التوراة وقرؤوها فتراجع ذلك العنق وطفئت تلك النار ، فأعظم ذو نواس ذلك ودخل في دين اليهودية .
قالوا : ثم إن أحد الناجين من نجران - ويعرف بدوس بن ذي ثعلبان - قصد قيصر ملك الروم مستنجداً به ، ومعظماً عنده ما جرى على قومه وهم على دينه ، فاعتذر إليه ببعد دياره وقال : سأكتب لك إلى ملك على دينك قريب من ديارك ، فكتب إلى النجاشي ملك الحبشة ، فلما عرض عليه الكتاب وحدثه بما جرى على أهل ملته غضب وحمى لأهل دينه ، وندب من جنوده سبعين ألف رجل مع ابن عمه أرياط ، وتقدم إليه بأن يقتل كل من باليمن على دين اليهودية ، فركب أرياط في البحر حتى انتهى إلى عدن فأحرق السفن وقال : يا معشر الحبشة ، العدو أمامكم ، والبحر وراءكم ، ولا منجى لكم إلا الصبر حتى تظفروا أو تموتوا كراماً .
قال : والتقوا واقتتلوا فانهزمت حمير بعد حرب عظيمة وقتل منهم خلقاً كثيراً .

الصفحة 236