كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 237 """"""
قال : واقتحم ذو نواس البحر بفرسه وقال : والله الغرق أفضل من أسر السودان ، فغرق . وكان ملكه مائتي سنة وستين سنة ، وهو آخر من ملك اليمن من قحطان . فجميع ما ملكوا من السنين ثلاثة آلاف سنة واثنتان وثمانون سنة .
واستولت الحبشة على ملك اليمن ففرق أرياط الأموال على أشراف الحبشة وحرم الضعفاء ، فجمع أبرهة أحد قواد الحبشة جمعا منهم وخرج على أرياط وحاربه فقتله أبرهة بيده واستولى أبرهة على ملك اليمن .
ولما بلغ خبرهما النجاشي غضب لقتل أرياط وحلف لأطان أرض أبرهة سهلها وجبلها برجلي ، ولاجزن ناصيته بيدي ، ولأهرقن دمه بكفي ، وتجهز للمسير إلى أرض اليمن ، فبلغ ذلك أبرهة فملأ جرابين من تراب السهل والجبل ، وعمد إلى ناصيته فجزها ووضعها في حق ، واحتجم وجعل دمه في قارورة وختم عليه وعلى الحق الذي فيه ناصيته بالمسك ، وبعث بذلك إلى النجاشي وكتب إليه يعتذر مما فعله أرياط وأنه خالف سيرتك في العدل ، وقد بلغني ما حلفت ، وقد بعثت إليك بجرابين من تراب السهل والجبل ، فطأها هنالك برجلك ، وجز ناصيتي بيدك ، وأهرق دمي بكف ، وبر في يمينك ، ولطف غضبك عني فإنما أنا عبد من عبيدك ، وعامل من عمالك . فاعجب النجاشي عقل أبرهة وأقره على مكانه ورضي عنه ؛ فبقي إلى زمان كسرى أنوشروان وهو صاحب الفيل .
وكانت قصته انه نظر إلى أهل اليمن يتأهبون للحج ، فسأل عن أمرهم ، فاخبر أنهم يخرجون حجاجاً إلى مكة فقال : أنا أكفيهم تجشم هذا السفر البعيد ببيعة أبنيها بصنعاء فيكون حج اليمن إليها ، وأمر ببنائها فبنيت . وقد تقدم وصفها في الفن الأول في المباني ، ونصل عند المذبح درة عظيمة تضيء في الليلة الظلماء كما يضيء السراج ، ثم أدى أهل مملكته بالحج إليها ، فغضب العرب لذلك ، فانطلق رجلان من خثعم فأحدثا في البيت الذي بناه ولطحاه بالعذرة . وقيل : إن الذي فعل ذلك رجل من كنانه ، فاتهم أبرهة قريشاً بذلك ، وكان حينئذ بصنعاء تجار من قريش فيهم هشام بن المغيرة ، فأحضرهم وسألهم عمن احدث في بيعته ، فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك ، فقال أبرهة : ظننت أنكم فعلتم

الصفحة 237