كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 239 """"""
به من هدم هذا البيت . قال لهم عبد المطلب : وما عسى أن نجعل له من المال مع عظم ما هو فيه من الملك والسلطان ؟ اطمئنوا ، الله أمددكم ، فوالله لا يصل إليه أبداً . ثم أنشد عبد المطلب يقول :
يا رب إن المرء يم . . . نع جاره فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم . . . بغيا وما جمعوا محالك
إن كنت تاركهم وقب . . . لتنا فأمر ما بدا لك
ثم علا جبل أبي قبيس هو وحكيم بن حزام ونفر من سادات قريش ، وهرب الناس ، فلحقوا برءوس الجبال ، وأم أبرهة البيت وقدم أمامه الفيل ، وكان أكبر فيل رآه الناس كالجبل العظيم ، واسمه بلسان الحبشة محمود ؛ فلما انتهى الفيل إلى طرف الحرم برك ، فكانوا بنخسونه ، فإذا أخذوا به يميناً وشمالاً هرول ، وإذا أقحموه برك . فلم يزل كذلك بقية يومهم . فلما قارب المشاء نظروا إلى طير قد أقبلت من نحو البحر لا تحصى كثرة أصغر من الحمام ، فعجبوا من كثرتها ولم يغرفوها ولا رأوا على خلقتها طيوراً ، وكان مع كل طير ثلاثة أحجار : حجران في رجليه ، وحجر في منقاره ، على مقدار الحمص ، فرفرفت على رءوسهم وأظلت عسكرهم ، ثم قذفت بالحجارة عليهم ، وهبت ريح شديدة فزادت الحجارة صعوبة وقوة ، فكان الحجر منها إذا وقع على رأس الرجل منهم نفذ حي يخرج من دبره ، فإذا سقط على بطنه خرج من ناحية ظهره ، فكان ما أخبر الله عز وجل عنهم في سورة الفيل : " فجعلهم كعصف مأكول " . وخرج عبد المطلب وأصحابه فملأ وأيديهم من المال ، وأرسل إلى قريش فجاءوه من الجبال وغنموا ما شاءوا ، فعظمت قريش في أعين العرب وسموهم آل الله ، وازداد عبد المطلب وأصحابه شرفاً . وولد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد قدومهم بخمس وخمسين ليلة . وكان ذلك بعد عشرين سنة من ملك أنوشروان . وملك اليمن بعد أبرهة بأنه يكسوم .
ثم ملك بعده مسروق بن أبرهة ، وهو الذي زال ملكه على يد سيف بن ذي يزن على ما نذكره إن شاء الله تعالى .

الصفحة 239