كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 240 """"""
ذكر خبر سيف بن ذي يزن وعود الملك إلى حمير
وذلك أن حمير لما رأت ملك الحبشة قد دام عليهم ونوارثوه فيهم ، اجتمع ساداتهم إلى سيف بن ذي يزن - وهو من أولاد ذي نواس الذي غلب الحبشة على اليمن في أيام ملكه - وبذلوا له أن يجمعوا له نفقة تقيمه ليسير إلى بعض الملوك فيستنجده ففعل ذلك ، وسار حتى وافى القسطنطينية إلى قيصر ملك الروم ، فاستنجده فقال له قيصر : إن الجيش على ديني ، وما كنت لأعينك عليهم ، وأمر له بعشرة ألف درهم ، فأبى أن يقبلها وقال : إذا لم تنصرني فلا حاجة لي إلى مالك .
وانصرف إلى كسرى واستنجده ، فقال له كسرى : بعدت بلادك عن بلادنا مع قلة خيرها ، إنما فيها الشاء والبعير وما لا حاجة لي فيه . فقال له سيف : لاتزهدن أيها الملك في بلادي فإنها فرضة العرب ، وأرض التبابعة الذين ملكوا أقطار أقاليم الأرض ، ودان لهم أهل الشرق والغرب . قال كسرى : ما كنت لأغرر بجندي فيما لا ينفعني وأمر له بعشرة آلاف درهم . فلما انتهى إلى باب القصر نثرها في الناس حتى أتى عليها ، فبلغ ذلك كسرى فغضب وقال له : ما الذي حملك على استخفافك بصلتي حتى نثرتها في الناس ؟ قال : ما أصنع بالمال وتراب أرضي ذهب وفضة ؟ ثم خنقته العبرة ، فرق له كسرى ووعده بالانتصار له ، فأشار عليه بعض وزرائه فقال : إن في سجونك بشراً كثيراً ممن استوجب القتل ، فمر بإطلاقهم ، وقوهم بالمال والكراع والسلاح ، ووجههم مع هذا العربي ، فإن ظفروا كان ذلك زيادة في ملكك ، وغن قتلوا كان ذلك جزاء عن جرائمهم . فاعجب كسرى هذا الرأي وعمل به وقدم عليهم وهرز بن كامخان ، وكان من فرسان العجم وأهل البيوتات ، وقد أناف على المائة من السنين ، وكانت عدتهم ثلاثة آلاف وستمائة رجل ، فركبوا البحر في سبع سفن ، وأرسل سيف إلى اليمن ومخاليفها ، فأتوه من أقاصي اليمن وادانيها حتى صاروا في عشرين ألفاً وتجهز إليهم مسروق ، فلما التقيا قال وهرز لسيف : أرني ملكهم ، فأراه إياه ؛ وهو على فيل وعلى رأسه التاج وفيه ياقوتة حمراء مدلاة على جبينه ، فلبث

الصفحة 240