كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 245 """"""
استهوته الجن دهراً طويلاً ثم رجع ؛ فبينما مالك وعقيل ابناً فارح وفيل - قالح - يقصدان جذيمة الملك بهدية إذا نزلا على ماء ومعهما قينة يقال لها : أم عمرو ، فتعرض لهما عمرو ، وقد طالت أظفاره وشعره وساءت حالته وهيئته ، فجلس إليهما - وكانا يأكلان - فمد إليهما يده مستطعماً فناولته تلك الجارية طعاماً فأكله ، ثم مد يده ثانية فقالت : إن يعط العبد كراعاً يتبع ذراعاً ؟ ثم ناولت صاحبيها من شرابها وأوكأت سقاءها ، فقال عمرو :
صددت الكأس عنا أم عمرو . . . وكان الكأس مجراهاً اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمرو . . . بصاحبك الذي لا تصبحينا
فقالوا له : من أنت ؟ فانتسب لهما ففرحا به وأقبلا على خاله - وقد كان جعل الجعئل لمن يأتيه به - فلما أتياه به قال جذيمة لهما : لكما حكمكما . فقالا : منادمتك . فكانا كما اختارا ، وسار بهما المثل ، ويقال : إنهما نادماه أربعين سنة ، فما أعادا عليه حديثاً مما حدثاه به مرة أخرى ، بل كانا يحدثانه بحديث جديد لم يسمعه منهما قبل .
وعمرو هذا هو الذي اخذ بثأر خاله جذيمة من الزباء وقتلها . وذلك أن قصير ابن سعد كان من غلمان جذيمة قال لعمرو : اضرب ظهري واقطع أرنبة أنفي واتركني والزباء ، فإني سأحتال لك عليها ، ففعل به ذلك ، ففر قصير إلى الزباء وصار في جملة رجالها وأراها النصح والاجتهاد في حوائجها ، وأنه غاش لعمرو ابن عدي ؛ وجعل يتجر لها ويذهب لعمرو في السر فيعطيه الأموال فيأتيها بها ، كأن ذلك من اجتهاده وحذقه في التجارة حتى اطمأنت له ؛ فذهب إلى عمرو وأخذه واخذ معه ألفي رجل وجعلهم في جوالق على ألف جمل ، ومعهم دروعهم وسيوفهم وجاء على طريق يقال له الغوير ، ولم يكن يسلكه قبل ذلك ، فلما قرب من حصنها تقدم إليها وأعلمها أنه قد أتاها بمال صامت ، فأشرفت من أعلى قصرها تنظر إلى الجمال ، فرأتها

الصفحة 245