كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 247 """"""
ثم ملك بعده النعمان بن المنذر فارس حليمة ، وهو الذي بنى الخورنق وكردس الكراديس . وكان أعور ، ويقال : إنه أشرف في بعض الأيام على ما حول الخورنق فقال : أكل ما أرى إلى نفاذ ؟ فقيل : نعم . قال : فأي خير في ملك يكون آخره إلى نفاذ ؟ ثم انخلع من ملكه ولبس المسوح وسار في الأرض . وقد ذكره عدي بن زيد فقال :
وتفكر رب الخورنق إذ أش . . . ف يوماً وللهدى تفكير
سره حاله وكثرة ما يم . . . لك والبحر معرضاً والسدير
فارعوى قلبه وقال : فما غب . . . طة حي إلى الممات يصير ؟
وكان ملكه خمساً وثلاثين سنة .
ثم ملك الأسود بن النعمان . فكان ملكه عشرين سنة . ويقال : إن الأسود هذا هو الذي انتصر على غسان وأسر عدة من ملوكهم ، وأراد أن يعفو عنهم ، وكان للأسود ابن عم يقال له : أبو أذينة قد قتل آل غسان له اخاً في بعض الوقائع ، فقال قصيدته المشهورة يغري بهم الأسود بن النعمان :
ما كل يوم ينال المرء ما طلبا . . . ولا يسوغه المقدار ما وهبا
وأحزم الأنس من إن فرصة عرضت . . . لم يجعل السبب الموصول مقتضباً
وأنصف الناس في كل المواطن من . . . سقى المعادين بالكأس الذي شربا
وليس يظلمهم من راح يضربهم . . . بحد سيف به من قبلهم ضرباً
والعفو إلا عن الأكفاء مكرمة . . . من قال غير الذي قد قلته كذباً
قتلت عمراً وتستبقي يزيد لقد . . . رأيت رأياً يجر الويل والحربا
لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها . . . إن كنت شهماً فأتبع رأسها الذنبا
هم جرودا السيف فاجعلهم له جزراً . . . وأوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا
إن تعف عنهم تقول الناس كلهم . . . لم يعف حلماً ولمن عفوه رهبا