كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 249 """"""
فجعل المنذر ابنه النعمان في حجر عدي بن زيد هذا ، وجعل ابنه الأسود في حجر رجل يقال له : عدي بن أوس بن مرينا ، وبنو مرينا قوم لهم شرف ، وهم من لخم ، وترك المنذر بقية بنيه ، وهم عشرة ، يستقل كل واحد منهم بنفسه ، وجعل المنذر على أمره كله إياس بن قبيصة الطائي ، فلما مات قابوس طلب كسرى من يملكه على العرب ، فدعا عدي بن زيد فقال له : من بقي من بني المنذر ، وماهم ؟ وهل فيهم خير ؟ فقال : بقيتهم في ولد هذا الميت ، يعني المنذر ، وهم رجال نجباء ؛ فكتب إليهم بالقدوم عليه ، فقدموا فأنزلهم ، على عدي بن زيد ، وكان عدي يرى موضع النعمان لأنه في حجره ويختاره على بقية إخوته في الباطن ، وهو يظهر لهم خلاف ذلك ويفضلهم عليه في الظاهر ، ويكرم نزلهم ويخلو بهم ويريهم أنه لا يرجو النعمان ، كل ذلك ليطمئنوا إليه ويرجعوا إلى رأيه ، ثم خلا بكل منهم على انفراده وقال لهم : إن سألكم الملك أتكفوني العرب فقولوا : نكفيهم إلا النعمان ، وقال للنعمان إن سألك الملك عن إخوتك فقل له : إن عجزت عنهم فإني عن غيرهم أعجز .
قال : وكان عدي بن أوس بن مرينا داهية أريبا ، وكان يوصي الأسود ابن المنذر ويقول : قد عرفت أني لك راج ، وأن طلبتي إليك ورغبتي أن تخلف عدي بن زيد فيما يشير به عليك ، فإنه والله لا ينصح لك أبداً ، فلم يلتفت الأسود إلى قوله . فلما أمر كسرى عدي بن زيد أن يدخلهم عليه قدمهم رجلاً رجلاً ، وكسرى يرى رجالاً قلما رأى مثلهم ، فإذا سألهم هل تكفوني العرب قالوا : نكفيك العرب كلها إلا النعمان . فلما دخل النعمان عليه رأى رجلاً دميماً قصيراً أحمر الشعر فكلمه وقال : هل تستطيع أن تكفيني العرب ؟ قال نعم ، قال : فكيف تصنع بإخوتك ؟ قال : أيها الملك إن عجزت عنهم فإني إن غيرهم أعجز . فملكه وكساه والبسه تاجاً قيمته ستون ألف درهم . فلما خرج وملك على العرب قال عدي ابن أوس بن مرينا للأسود بن المنذر : دونك فإنك خالفت الرأي .
قال : ثم إن عدي بن زيد صنع طعاماً ما في بيعة وأرسل إلى ابن أوس أن ائتني مع من أحببت فإن لي حاجة ، فأتاه في أناس فتغدوا في البيعة ، فقال عدي بن زيد لعدي بن أوس : ياعدي إن أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه من كان مثلك ، إني

الصفحة 249