كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 250 """"""
عرفت أن صاحبك الأسود كان احب إليك أن يملك من صاحبي النعمان ، فلا تلمني على شيء كنت على مثله ، وأنا أحب ألا تحقد على شيئاً لو قدرت عليه ركبته ، وأحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيتك من نفسي ، فإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك . فقام عدي بن زيد إلى البيعة وحلف ألا يهجوه ولايبغيه غئلة أبداً ، ولا يروي عنها خيراً ، وحلف عدي بن أوس على مثل يمينه ألا يزال يهجوه أبداً ويبغيه الغوائل ما بقي . وخرج النعمان حتى أتى منزله بالحيرة وافترق العديان على وحشة ، فقال عدي بن أمس للأسود : إن لم تظفر أفلا تعجز أن تطلب بثارك من هذا المعدي الذي عمل بنا ما عمل ؟ فقد كنت أخبرتك أن معداً لا تنام عن مكرها ، وأمرتك أن تخالفه فعصيتني . قال : فما تريد ؟ قال : ألا تأتيك فائدة من ملكك ولا أرضك إلا عرضتها علي ، ففعل . وكان عدي بن أوس كثير المال ، فلم يمر به يوم إلا بعث فيه إلى النعمان هدية أو تحفة . فلما توالى ذلك وكثرت هداياه عنده النعمان صار من أكرم الناس عليه ، وصار لا يقضي في ملكه شيئاً إلا برأي عدي بن أوس . فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن أوس عنده تابعوه ولزموه ؛ فكان يقول لمن يثق به نم أصحاب النعمان : إذا رأيتموني أذكر عدي بن زيد عند الملك بخير فقولوا : إنه لكما يقول ولكنه لا يسلم عليه أحد ، وإنه يقول : إن الملك - يعني النعمان - إنما هو عامله ، وإنه هو الذي ولاه ما ولاه .
فلم يزالوا وأشباهه حتى أضغنوا عليه . ثم إنهم كتبوا كتاباً عن عدي إلى قهرمان كان له ، ودسوا من اخذ الكتاب وأتى به النعمان فقرأه فغضب ، وأرسل إلى عدي بن زيد يقول : عزمت عليك إلا زرتني فإني قد اشتقت إليك ، وكان عند كسرى فاستأذن في زيارة النعمان فأذن له ، فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه ، فجعل يقول الشعر ويستعطفه به ، فكان مما قاله :
بلغ النعمان عني مآلكا . . . إنه قد طال حبسي وانتظاري
لو بغير الماء حلقي شرق . . . كنت كالغصان بالماء اعتصاري وقال أشعاراً كثيرة كانت تبلغ النعمان فندم على حبسه وعلم أنه كيد فيه ، فكان يرسل إليه ويعده ويمينه ، فلما طال سجنه وأعياه التضرع إلى النعمان كتب إلى أخيه أبى - وهو عمار - وهو مع كسرى يخبره بحاله ، ويبعثه على السعي في خلاصه ،

الصفحة 250