كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 251 """"""
فدخل أبي على كسرى وكلمه ، فكتب إلى النعمان في أمره وبعث رسولاً بكتابه ، فقال له أبي : إبذأ بعدي أنظره قبل أن تجتمع بالنعمان ، ورشاه على ذلك ، ففعل الرسول ذلك ودخل إلى الحبس واجتمع بعدي وقال له : ما تحب أن أصنع ؟ قال : أحب ألا تخرج من عندي ، وأعطني كتاب كسرى لأرسله من قبلي . قال : لا أستطيع ذلك . قال : فإنك إن خرجت من عندي قتلت . فقال : لا بد أن آتي النعمان وأوصله الكتاب من يدي ، فانطلق إلى النعمان وأوصله الكتاب فقبله وقال : سمعاً وطاعة ، ووصله بأربعة آلاف مثقال ذهباً وجارية حسناء وقال : إذا كان من غد فادخل عليه وأخرجه بنفسك . وكان أعداء عدي أتوا النعمان وأخبروه أن رسول كسرى دخل إلى عدي وأنه خرج من الحبس لم يستبق منا أحداً ، ولم تنج أنت ولاغيرك ، فأمرهم النعمان بقتله ، فدخلوا عليه لما خرج الرسول من عنده وغموه حتى مات ، فلما أصبح الرسول دخل السجن فقال له الحرس : إن عدياً قد مات منذ أيام ، ولم نجرؤ أن نخبر النعمان فرقاً منه لعلمنا بكراهيته لذلك ، فرجع الرسول إلى النعمان فقال : إني كنت بدأت به فدخلت عليه وهو حي . فقال له النعمان : يبعثك الملك إلي فتدخل إليه قبلي ، كذبت ولكنك ارتشيت وتهدده ، ثم استدعاه بعد ذلك وزاده جائزة وكسوة واستوثق منه وصرفه إلى كسرى . فلما رجع إليه قال له : قد مات قبل مقدمي على النعمان .
قال : ثم ندم النعمان على قتل ندماً شديداً واجترأ أعداء عدي على النعمان وهابهم ، ثم ركب النعمان في بعض أيامه للصيد فلقي ابناً لعدي بن زيد ، فكلمه فإذا هو غلام ظريف ففرح به النعمان وقربه ووصله واعتذر إليه ، ثم جهزه إلى كسرى وكتب إليه : إن عدياً كان ممن أعين به الملك في نصيحته ورأيه ، فانضقت مدته وانقطع أجله ، ولم يصب به أحد أشد نم مصيبتي ، وإن الملك لم يكن ليفقد رجلاً من عبيده إلا جعل الله له منه خلقاً ، وقد أدرك له ابن ليس هو دونه ، وقد سرحته إلى الملك فإن رأى أن يجعله مكان أبيه ويصرف عمه إلى عمل آخر فعل . فأجابه كسرى إلى ذلك ورتبه في وظيفة أبيه ، وسأله عن النعمان فأحسن الثناء عليه ، فمكث سنوات على منزلة أبيه واعجب به كسرى . وكان لصاحب هذه الرتبة على

الصفحة 251