كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 257 """"""
والمناجد : دواب تشبه اليرابيع . فلما نظرت طريفة إليها قعدت إلى الأرض ووضعت يديها على عينيها وقالت لغلامها : إذا ذهبت هذه المناجد فأخبرني ، فلما ذهبت أعلمها فانطلقت مسرعة ، فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو وثبت سلحفاة من الماء فوقعت في الطريق على ظهرها وجعلت تروم الانقلاب ولا تستطيع ، وتستغفر بيديها وتحث التراب على بطنها من جنباته وتقذف بالبولى . فلما رأتها طريفة الخير جلست إلى الأرض . فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت طريفة حتى دخلت الحديقة على عمرو حين انتصف النهار في ساعة شديدة الحر فإذا الشجر يتكافأ من غير ريح ، فلما رآها استحيى منها وأمر الجارية بالتنحي ثم قال لها : ما أتى بك يا طريفة ؟ فكهنت وقالت : والنور والظلماء ، والأرض والسماء ، إن الشجر لهالك ، وليعودن الماء كما كان في الزمن السالك . قال لها عمرو ومن خبرك بهذا ؟ قالت : أخبرني المناجيد بسنين شدائد ، يقطع فيها الولد الوالد . قال : فما تقولين ؟ قالت : أقول قول الندمان لهفاً ، لقد رأيت سلحفاة تجرف التراب جرفاً ، وتقذف بالبول قذفاً ، فدخلت الحديقة فإذا الشجر من غير ريح يتكافأ . قال عمرو : وما ترين في ذلك ؟ قالت : هي داهية دهياء من أمور جسيمة ، ومصائب عظيمة . قال : وما هو ويلك ؟ قالت : أجل ، إن فيه الويل ، ومالك فيه من نيل ، وإن الويل فيما يجيء به السيل . فألقى عمرو نفسه على فراشه وقال : ما هذا با طريفة ؟ قالت : هو خطب جليل ، وخزي طويل ، وخلف قليل ، والقليل خير من تركه . قال : وما علامة ما تذكرين ؟ قالت : اذهب إلى السد فإن رأيت جرذاً يديه في السد الحفر ، ويقلب برجليه مراجل الصخر ، فاعلم أن الغمر غمر ، وإن قد وقع الأمر . قال : وما هذا الذي تذكرين ؟ قالت : وعد من الله نزل ، وباطل بطل ، ونكال بنا نكل . قال : فانطلق عمرو إلى السد فحرسه فإذا الجرذ يقلب برجليه ما يقلبها خمسون رجلاً ، فرجع إليها وهو يقول :
أبصرت أمراً عادني سنه ألم . . . وهاج لي من حوله برح السقم
من جرذ كفحل خنزير الأجم . . . أو كبش صرم من افاويق الغنم