كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 258 """"""
يقلب صخراً من جلاميد العرم . . . له مخاليب وأنياب قضم
ما فاته صخر من الصخر قصم فقالت طريفة : وإن من علامة ما ذكرت لك أن تجلس فتأمر بزجاجة بين يديك ؛ فإن الريح تملأها بتراب البطحاء من سهل الوادي ورمله ، وقد علمت أن الجنان مظللة ما يدخلها شمس ولا ريح . فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه فلم تمكث إلا قليلاً حتى امتلأت من تراب البطحاء . فقال لها عمرو : متة يكون هلاك السد ؟ فقالت : فيما بينك وبين سبع سنين . فقال : ففي أيها يكون ؟ فقالت : لا يعلم ذلك غلا الله ، ولو علمه أحد لعلمته ، ولا تأتي على ليلة فيما بيني وبين السبع سنين إلا ظنت أن هلاكنا في غدها أو مسائها . ثم رأى عمرو بعد ذلك في منامه سيل وقيل له : آية ذلك أن ترى الحصباء قد ظهرت في سعف النخل وكربه ، فنظر إليها فوجد الحصباء قد ظهرت فيها فعلم أن ذلك واقع ، وأن بلادهم لا محالة ؛ فكتم ذلك وأخفاه وأجمع على بيع كل شيء له بأرض مأرب ويخرج منها هو وولده ، ثم خشي أن ينكر الناس حاله فصنع وليمة جمع الناس لها وقرر مع أحد أولاده أنه يأمره بأمر في ملأ القوم فيخالفه فإذا لطمه عمرو فيلطمه الآخر ، ففعل ذلك . فلما لطمه ابنه - وكان اسمه مالكاً - صاح عمرو : وأذلاه يوم فحر عمرو يهينه صبي ويضرب وجهه وحلف ليقتلنه ، فسأله القوم ألا يفعل ، فحلف ألا يقيم بموضع صنع به فيه هذا ، وليبيعن أمواله حتى لا يورث بعده . فقال الأنس بعضهم لبعض : اغتنموا غضبة عمرو واشتروا منه قبل أن يرضى ، فابتاع الناس منه جميع ما هوله بأرض مارب ، وفشا بعض حديثه فباع أناس من الأزد ، فلما كثر البيع استنكر الناس ذلك فأمسكوا عن الشراء ، فلما اجتمعت لعمرو أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم وخرج من اليمن ، وخرج لخروجه منها خلق كثير فنزلوا أرض عك حتى مات عمرو بن عامر وتفرقوا بعده في البلاد ؛ فمنهم من صار إلى الشام ، وهم أولاد جفنة بن عمرو بن عامر ، ومنهم من صار إلى يثرب ، وهم أبناء قبيلة الأوس والخزرج ، وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو ابن عامر ،

الصفحة 258