كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 262 """"""
إني صانع طعاماً فأدعوهم إليه ، فإذا جاءوكم متفضلين في الحلل نهضنا إليهم بأسيافنا . فقالت عفيرة لأخيها : لا تفعل فإن الغدر ذلة وعار ، ولكن كاثروا القوم في ديارهم فتظفروا أو تموتوا كراماً . قال : بل نمكر بهم فنكون أمكن منهم . تم صنع الأسود طعاماً وأمر قومه أن يخترطوا سيوفهم ثم يدفنوها في الرمل . ودعا عمليقا وقومه ، فلما أتوا استثارت جديس السيوف وشدوا عليهم فما أفلت منهم إلا رياح بن مرة ، ففر إلى حسان بن تبع فاستغاث به وأخيره بما صنعته جديس بطسم فوعده النصرة ، ثم نادى حسان في حمير بالمسير وأخبرهم بما صنعت جديس بطسم ؛ فقالوا : وما جديس وطسم ؟ قال : هما أخوان . قالوا : فما لنا في هذا من أرب .
قال حسان : أرأيتم لو كان هذا فيكم أكان حسناً لملككم أن يهدر دماءكم . وما علينا في الحكم إلا أن ننصف بعضهم من بعض . فقالوا : الأمر أمرك أيها الملك فمرنا بما أحببت . فأمرهم بالمسير ، فساروا حتى إذا كانوا من اليمامة على ثلاث ليال قال رياح بن مرة لحسان بن تبع : أبيت اللعن إن لي أختاً متزوجة في جنديس تنظر الراكب على مسيرة ثلاث ليال وأخاف أن تنذر قومها ، فأمر كل إنسان أن يقتلع شجرة من الأرض ويجعلها أمامه ، فأمرهم حسان بذلك . ثم ساروا ، فنظرت أخت رياح فقالت : يا جنديس لقد سارت إليكم الشجر . فقالوا لها : وما ذاك ؟ قالت : أرى شجراً ، من ورائه بشراً ، وإني لا أرى رجلاً من وراء شجرة ينهش كتفاً أو يحصف نعلاً ، فكذبوها وغفلوا عن اخذ أهبة الحرب حتى صبحتهم حمير . ففي ذلك تقول زرقاء اليمامة :
خذوا لهم حذركم ياقوم ينفعكم . . . فليس ما قد أراه اليوم يحتقر
إني أرى شجراً من خلفه بشر . . . فكيف تجتمع الأشجار والبشر
صفوا الطوائف منكم قبل داهية . . . من الأمور التي يخشى وتنتظر
إني أرى رجلاً في كفه كتف . . . أو يخصف النعل خصفاً ليس يعتذر
ثوروا بأجمعكم في وجه أولهمفإن ذلك منكم فاعلموا ظفر

الصفحة 262