كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 76 """"""
واتخاذ السلاح وما يصلح للأسفار ، وإعداد الزاد ، واتخذ في بحر الغرب مائتي سفينة ، وخرج في جيش عظيم في البر والبحر ، فلقيه جموع البربر في جموع لا تحصى فهزمهم واستأصل أكثرهم ، وبلغ إلى إفريقية وسار منها ، وكان لا يمر بأمة إلا أبادها إلى أن قوم عدي من ناحية الأندلس يريد الإفرنجة ، وكان بها ملك عظيم يقال له : أرقيوس ، فأقام يحاربه شهراً ثم طلب وأهدى له هدايا كثيرة فسار عنه ، ودوخ الأمم المتصلة بالبحر الأخضر وأطاعه أكثرها . ومر بأمة عراة لهم حوافر في أرجلهم ، وقرون صغار ، وشعور كشعور الدواب ، ولهم أنياب بارزة من أفواههم ، فقاتلهم قتالاً شديداً حتى أثخنهم ، فنفروا منه إلى غيران لهم مظلمة عظام .
والقبط تذكر أنه رأى سبعين أعجوبة ، وعمل أعلاماً على البحر وزبر عليها اسمه ومسيره ، وخرب مدن البربر حيث كانت ، وألجاهم إلى قرون الجبال ورجع ؛ فتلقاه أهل مصر بأصناف اللهو والطيب والرياحين ، وفرشت له الطرقات ولقوه بابنه بلهقانس وكان ولد بعد مسيره فسر به . واتصل خبره بالملوك فهابوه وحملوا إليه الهدايا من كل وجه ومكان .
قال : وبلغه أن قوماً من البربر سحرة لم تخابيل عجيبة وبخورات يدلون بها ، وانهم في مدينة لهم يقال لها : قرميدة ، في الغرب من مصر ، قد ملكوا عليهم امرأة ساحرة يقال لها : اسطافا ، فاتصل به كثرة أذاهم للناس فغزاهم ، فلما قرب منهم ستروا عنه مدينتهم بسحرهم فلم يرها ، وطموا مياههم فلم يعرفها ، فهلك أكثر أصحابه عطشاً . فلما ستروا عنه البلد صعد إلى ناحية الجنوب ، ثم رجع على غير الطريق التي سار إليهم فيها ، فمر بهيكل كان لهم يحضرونه في أعيادهم ، فهدم بعضه وسقط منه موضع على جماعة ممن تولى هدمه فأهلكه ، فلما رأى ذلك تركهم وانصرف ، وخرجوا إلى هيكلهم فبنوا ما سقط منه وحرسوه بطلسمات محكمة ، ونصبوا فوق قبته طلسما من نحاس مذهب ، وكان إذا قصده أحد صياحاً منكراً يرعد منه من سمعه ويبهت فيخرجون إليه ويصطلمون . وكانت ملكتهم أحذق منهم بالسحر فقالت : إني أعمل الحيلة في إفساد مصر وأضر وآذى أهلها ، فعملت أشياء وأرسلتها

الصفحة 76