كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 77 """"""
مع من ألقاها في النيل ، ففاض النيل على مزارعهم وغلاتهم ، وكثرت فيه التماسيح والضفادع ، وكثرت العل في الناس ، وانبثت فيهم الثعابين والعقارب ، فاحضر ماليق الكهنة والحكماء وقال : أخبروني عن هذه الحوادث التي حدثت في بلادنا ما هي ؟ ولم لم تشرحوها في طالع السنة ؟ فاجتمعوا في دار حكمتهم ونظروا حتى علموا أنه من ناحية الغرب ، وأن امرأة عملته وألقته في النيل ، فعلم أنه من فعل تلك الساحرة ، فقال لهم : اجهدوا أنفسكم في هلاكها فقد بلغت فيكم مرادها ، فاجتمعوا للهيكل الذي فيه صور الكواكب وأصنامها ، وسألوا الملك الحضور معهم فلم يمكنه الخلاف عليهم . فلما أمسى لبس مسحا وافترش رماداً واستقبل مصلاه وأقبل على الابتهال إلى الله والتضرع وقال : يارب يا الله ، أنت إله الآلهة ، وخالق الخلق ، ولا يكون شيء إلا بقضائك ، أسألك أن تكفينين أمر هؤلاء القوم ، وغلبه السهر فأغفى في مصلاه ، فرأى آتياً يقول له : قدر حم الله تضرعك ، وأجاب دعاءك ، وهو مهلك هؤلاء القوم ومدمر عليهم ، وصارف عنك الماء المفسد والدواب المضرة . فلما أصبح الكهنة غدوا عليه وسألوه حضور هيكلهم ، فقال لهم : قد كفيتكم أمر عدوكم وأهلكتهم ، وأزلت الماء الفاسد والدواب المضرة عنكم ، ولن تروا بعدها شيئاً تكرهونه ، فنظر بعضهم إلى بعض كالمنكرين لقوله وقالوا : قد سررنا بما ذكره الملك ، وهم يضمرون الاستهزاء به والتكذيب له ، ومضوا إلى دار الحكمة فقال بعضهم : الرأي ألا تقولوا في هذا شيئاً فإن كان حقاً وقفتم عليه ، وإن كان باطلاً اتسع لكم اللفظ في لومه ، وسيتبين لكم أمره . فلما كان بعد يومين انكشف ذلك الماء الفاسد ، وهلكت تلك الدواب المضرة ، فعلموا أن الذي أخبرهم به حق ؛ وأمر قائداً من قواده ورجالاً من الكهنة أن يمضوا حتى يعلموا علم هؤلاء القوم ، فأتوا المدينة فوجدوا حصنها قد سقط وقد هلكوا بأجمعهم واحترقوا واسودت وجوههم ؛ ووجدوا الأصنام منكسة على وجوهها ، وأموالهم ظاهرة بين أيديهم ، فطرقوا المدينة فلم يجدوا فيها غير رجل واحد كان مخالفاً لهم بسبب رؤيا رآها ؛ ووجدوا من الأموال والجواهر وأصنام الذهب والتماثيل ما لا يحصى ولا تعرف له قيمة ، ووجدوا صورة كاهن لهم من زبرجد أخضر على قائمة من حجر الأسباد شم ، ووجدوا صورة روحاني من ذهب ، ورأسه من جوهر أحمر ، وله جناحان من در ، وفي يده مصحف فيه كثير من علومهم في دفتين مرصعتين بجوهر ملون ؛ ووجدوا مطهرة من ياقوت أزرق على قاعدة من زجاج أخضر مسبوك ، وفيها فضلة من الماء الدافع لأسقامهم ، وفرساً من فضة من عزم عليه بعزائمه