كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 78 """"""
ودخنه بدخنة وركبه طار به فيما يزعمون ، وغير ذلك من العجائب والأصنام ؛ فحملوا من ذلك ما قدروا عليه من الأموال والجواهر ، وسأل الملك ذلك الرجل : ما أعجب ما رأيت من أعمالهم ؟ فقال : نعم أخبرك أيها الملك ؛ إنه قصدهم بعض ملوك البربر ، وكان جباراً من أهل بيت سحر ، فجاء بالجموع الكثيرة وتخابيل هائلة ، فأغلق أهل مدينتنا حصنهم ولجأوا إلى أصنامهم يخضعون لها ويتضرعون إليها ، وكان لهم كاهن عظيم الشأن ، فسار إليه رؤساؤهم وشكوا إليه ما دهمهم من عدوهم ، فأتى إلى بركة عظيمة بعيدة القعر كانوا يشربون منها ، فجلس على حافتها وأحاط رؤساء الكهنة بها وزمزم على ماء البركة ، فلم يزل كذلك حتى فار الماء وفاض ، وخرجت من وسطه نار تتأجج من وسطها وجه كدارة الشمس وعلى صورتها وضوئها ، فخر الجماعة وسجدوا لذلك الوجه ، وتجللهم نور ؛ وجعل يعظم حتى ملأ البركة ، وصعد حتى خرق سقف القبة ، ثم ارتفع إلى رأسها وسمعنه يقول : قد كفيتكم شر عدوكم ، وأمرهم أن يأخذوا دوابهم ففعلوا ذلك ، وهلك الملك الذي قصدهم وجميع من كان معه ، وانصرفوا ؛ فأقبلوا يأكلون ويشربون ، فقلت لبعض الكهنة : لقد رأيت عجباً من ذلك الوجه فما هو ؟ فقال : تلك الشمس تبدت لنا في صورتها وأهلكت عدونا ، صاحت بهم صيحة أحرقهم فأصبحوا خامدين .
قال : وكان هذا الرجل عاقلاً فاتخذه ماليق وزيراً . ولم يزل ماليق على التوحيد ، وهو مع ذلك يساير أهل البلد خوفاً من اضطراب ملكه ، وأمر أن يعمل له ناووس ، فكان يقصده ويتعبد فيه ، وأمر ألا يدفن معه ذهب ولا جوهر ، فلم يدفن معه شيء سوى الطيب وصحيفة مكتوبة بخطه فيها : هذا ناووس ملك مصر ماليق ، مات مؤمناً بالله العظيم لا يعبد معه غيره ، بريئاً من الأصنام وعبادتها ، مؤمناً بالبعث والحساب والمجازاة على الأعمال ، عاش كذا وكذا سنة ، ملك فيها كذا وكذا ، فمن أحب النجاة من عذاب الآخرة فليدن بما دان به . وأوصى ألا يدفن معه في ناووسه أحد من أهله ، وكان قد كنزل كنوزاً عظيمة وزبر عليها أن تخرجها أمة النبي المبعوث في آخر الزمان .
واستخلف ابنه حرما بن ماليق . قال : وكان ليناً سهل الخلق ، لم يمت أبوه حتى شرح له التوحيد ، وأمره أن يدين به ، ونهاه عن عبادة الأصنام ؛ وكان معه على ذلك في حياته ، ثم رجع عنه بعد وفاته إلى دينهم . وكان سبب رجوعه إلى عبادة