كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 79 """"""
الأصنام أن أمه كانت من بنات كبار الكهان ، فنقلته بعد موت أبيه إلى دينها وغلبته على رأيه ، وأمرت بتجديد الهياكل وتشددت في عبادة الأصنام . وتزوج حرماً امرأة من بنى عمه فأحبها حباً شديداً وهام بها ، فأفسدته على جميع نسائه ، فاشتد ذلك على أمه ، وكانت له قهرمانة من أهل سيوط ساحرة لا تطاق ، وكانت تميل إلى هذه المرأة لأنها كانت تعشق أخاها ؛ فزادت في سحرها لتلك المرأة فأوحشت ما بين الملك وأمه حتى رفضها واستخف بأمرها ، وزاد الأمر حتى حلف ألا يجاورها ، وأنه يغزو وينصرف فلا يرجع إلى مصر أو يتصل به موتها ، ففعل ذلك وغزا بلد الهند وأرض السودان . وكان سبب خروجه إلى الهند أن ملكاً من ملوكها يقال له مسور خرج في عدد كثير وسايرته مراكبه في البحر ففتح بلدانا وجزائر ، وأكثر القتل والسبي ؛ وذكرت له مصر فقصدها واعتل فرجع من طريقه ، فأمر حرما الملك بعمل مائة سفينة على شكل سفن الهند ، وتجهز وركب وحمل معه ووجوه أصحابه وقواده ، واستخلف ابنه كلكن على مصر وكان صبياً ، وجعل معه وزيراً يقال له لاون ، وكاهناً يقال له ويسموس ، وخرج فمر على ساحل اليمن وعاث في مدائنه . وكان لا يمر بمدينة إلا أقام صنماً وزبر عليه اسمه ومسيره ووقته ، وبلغ سرنديب فأوقع بأهلها ، وغنم منها مالاً وجوهراً كثيراً ، وحمل معه حكيماً لهم ، وبلغ جزيرة بين الهند والصين بها قوم سمر طوال يجرون شعورهم ، ورأى لهم الدواب والطيور وشجر الطيب والنارجيل والفواكه التي لا تكون إلا عندهم ، فأذعنوا له بالطاعة وحملوا إليه أموالاً وهدايا فقبلها وسار عنهم . وأقبل يتنقل في تلك الجزائر عدة سنين ؛ فقيل : إنه أقام في سفره سبع عشرة سنة ، ورجع إلى مصر بالظفر والغنيمة ، ووجد أمه قد هلكت ، ووجد ابنه على الملك كما استخلفه ؛ فسر بذلك وهابه من حوله من الملوك . وبنى هياكل وأقام فيها أصنام الكواكب ؛ لأنها - فيما زعم - هي التي أيدته في سفره حتى ظفر بما ظفر

الصفحة 79