كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 80 """"""
به وغنم ما غنمه . وقد كان حمل معه من الهند حكيماً وطبيباً ، وكان معهما من كتبهم وحكمهم ما أظهرا به في مصر عجائب مشهورة ، وحمل معه صنماً من أصنام الهند من الذهب مقرطاً بالجوهر ، فنصبه على بعض الهياكل التي عملها . وكان حكيم الهند يقوم به ويخدمه ويقرب له . وكان يخبرهم بما يريدون منه .
قال : وأقام حرماً بعد منصرفه من الهند ثم غزا نواحي الشام فأطاعه أهلها وهادوه ورجع إلى مصر . ثم غزا نواحي النوبة والسودان فصالحوه على خراج يحملونه له ، ورفع أقدار الكهنة وزاد في تعظيم دينهم ؛ فصوروه في هياكلهم ومضاجعهم ، وملكهم خمساً وسبعين سنة . وعمل لنفسه في صحراء الغرب ناووساً ، وعمل برقودة مصانع وعجائب ، وأقام بها إلى أن مات وابنه كلكن بمنف ، فضمد جسده بالموميا والكافور والمر ، وجعل في تابوت من ذهب ، وجعل معه مال كثير ، وجوهر نفيس ، وسلاح عجيب ، وتماثيل وصنعة وعقاقير ، ومصحف الحكمة . وصور في جانب الناووس صوراً وزبر عليها ذكر السفن التي سار فيها ، والبلدان التي فتحها ، وسد باب الناووس وزبر عليه اسمه ومدته وتاريخ الوقت الذي هلك فيه ، وقتل جماعة من نسائه أنفسهن عليه . وكان جميلاً سمح الأخلاق ، واغتم عليه الكهنة لإكرامه لهم ، وأهل المملكة لأتباعه لهم .
وملك بعده ابنه كلكن بن حرما ، وعقد التاج على رأسه بالإسكندرية بعد موت أبيه وأقام بها شهراً ورجع إلى منف . وكان أصنامياً على دين أبيه وتبشر به أهل مصر . وكان يحب الحكمة وإظهار العجائب ويقرب أهلها ويكثر جوائزهم . ولم يزل يعمل الكيمياء في مدة ملكه ؛ فخزن أموالاً عظيمة بصحارى الغرب . وهو أول من اظهر علم الكيمياء بمصر وكان مكتوماً . وكان الملوك قبله أمروا بترك صنعتها لئلا تجتمع ملوك الأمم على غزوهم ، فعملها كلكن وملا دور الحكمة منها حتى لم يكن الذهب بمصر أكثر منه في وقته ولا الخراج ؛ لأنه كان في وقته - فيما حكاه القبط - مائة ألف ألف وبضعة عشر ألف ألف مثقال . وقال : وكان المثقال الواحد من الصنعة يطرح على القناطير الكثيرة فيصبغها ، فاستغنوا عن إثارة المعادن لقلة حاجتهم إليها . وعمل من الحجارة المسبوكة الملونة الصم التي تشف شيئاً كثيراً لم يعمل مثله أحد