كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 81 """"""
ممن تقدمه . وعمل من الأدرك الملون والفيروزج تخرج عن العقول ، حتى يسمى حكيم الملوك . وغلب جميع الكهنة في علومهم ، وكان يخبرهم بما يغيب عنهم ، فهابوه واحتاجوا إلى علمه . وكان نمرود بن كنعان الذي أهلكه الله تعالى على يد إبراهيم عليه السلام في وقته ، فيقال : إنه لما اتصل بنمرود خبر حكمته استزاره فوجه إليه أن يلقاه منفرداً من أهله وحشمه بموضع كذا ، ففعل النمرود ذلك وسار إلى الموضع الذي ذكره ، وأقبل كلكن على أربعة أفراس تحمله ذوات أجنحة ، وقد أحاط به نور كالنار ، وحوله صور هائلة قد خيل بها ، وهو متوشح بثعبان محتزماً ببعضه ، والثعبان فاغر فاه ، ومعه قضيب آس أخضر كلما حرك الثعبان رأسه ضربه بالقضيب . فلما رآه النمرود هاله أمره وخاطبه ؛ فاعترف له بجليل الملك والحكمة ، وسأله أن يكون ظهيراً له . وتقول القبط : إن كلكن الملك كان يرتفع ويجلس على الهرم الغربي في قبة تلوح على رأسه . وكان أهل البلد إذا دهمهم أمر اجتمعوا حول الهرم . ويقولون : إنه ربما أقام على راس الهرم أياماً لا يأكل ولا يشرب ، ثم استتر عنهم مدة حتى توهموا أنه هلك . وكان يجول في الأرض وحده حتى طمعت الملوك التي حوله في ملكه ؛ فقصده ملك من ملوك الغرب يقال له سادوم في جيش عظيم ، واقبل من ناحية المغرب من نحو وادي هبيب ليكبس البلد ، فأقبل حتى وافاهم ، ثم جللهم بشيء من سحره كالغمام شديد الحرارة ، فأقاموا تحته أياماً لا يدرون أين يتوجهون ، فطار إلى مصر فاستأنس الناس لمقدمه ، فعرفهم ما جرى وأمرهم بالخروج إليهم ليعرفوا خبرهم ، فوجدوهم ودوابهم أمواتاً فعجبوا لذلك ، وهابه الكهنة هيبة لم يهابوها أحداً قبله وصوروه في جميع الهياكل ، وملكهم زماناً .
وبنى في آخر عمره هيكلاً لزحل من صوان اسود في ناحية الغرب ، وجعل له عبداً ، وجعل في وسطه ناووساً ، وحمل إليه ما أراد من ذهب وجوهر ، وحكم وعقاقير ، وعرفهم بموته ، وجعل على باب الناووس طلسمات تمنع منه ، وغاب عنهم فلم يقفوا على موته .
وكان قد أوصى إلى ابنه ماليا بن كلكن فملك بعد أبيه . وكان شرهاً كثير الأكل والشرب ، منفرداً بالرفاهة ، غير ناظر في شيء من الحكمة ، وجعل أمر البلد إلى وزير

الصفحة 81