كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 84 """"""
في البحر المالح ، فكان يحمل إليهما الحنطة وأصناف الغلات فتصل إلى جدة وتحمل من هناك على المطايا ، فأحيا بلد الحجاز مدة . ويقال : إن كل ما حليت به الكعبة في ذلك العصر هو مما أهداه ملك مصر . ويقال : إنه لكثرة ما كان طوطيس يحمله إلى الحجاز سمته العرب جرهم الصادق وكذلك يسميه كثير من أهل الأثر . وقد تقدم في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام أن اسم الملك صادوق ، ويقال : إنه سأل إبراهيم عليه السلام أن يبارك له في بلده ، فدعا بالبركة لمصر ، وعرفه إبراهيم أن ولده سيملكها ويصير أمرها إليه .
قال : وطوطيس أول الفراعنة بمصر ؛ وذلك أنه أكثر القتل حتى قتل قراباته وأهل بيته وبني عمه وخدمه ونسائه وأكثر الكهنة والحكماء . وكان حريصاً على الولد فلم يرزقه الله ولداً غير ابنته حوريا ، وكانت عاقلة حكيمة تأخذ على يده كثيراً وتمنعه من سفك الدماء ، فأبغضته الخلق : الخاص والعام . فلما رأت أمره يزيد خافت على زوال ملكهم فسمته فهلك . وكان ملكه سبعين سنة . ولما مات اختلفوا فيمن يملكوه عليهم بعده فقالوا : لا يملك علينا أحد من أهل بتيه ، وأرادوا تمليك بعض ولد أتريب ؛ فقام بعض الوزراء ودعا إلى تمليك ابنته لصنيعها فيه ، ولما كانت تنكر عليه ، وتبعه أكثر القواد والوجوه فتم لها الأمر . وملكت حوريا ابنة طوطيس وجلست على سرير الملك ، ووعدت الناس بالإحسان ، وأخذت في جمع الأموال وحفظها ، فاجتمع لها من الأموال والجوهر والحلي والطيب ما لم يجتمع لملك ، وقدمت الكهنة وأهل الحكمة ورؤساء السحرة ورفعت أقدارهم ، وأمرت بتجديد الهياكل وتعظيمها . وسار من لم يرضها إلى مدينة أتريب وملكوا عليهم رجلاً من ولد أتريب يقال له أنداخس ، فعقد على رأسه تاجاً وانضم إليه جماعة من بني عمه وأهل بيته ، فانفذت إليه جيشاً فحاربه ؛ فلما رأى أنه لا طاقة له بها دعاها إلى الصلح وخطبها إلى نفسه وقال لها : إن الملك لا يقوم بالنساء ، وخوفها أن يزول ملكهم بمكانها ؛ فعملت صنيعاً وأمرت أن يحضره الناس على منازلهم ، فحضروا وأكلوا وشربوا وبذلت لهم الأموال وعرفتهم

الصفحة 84