كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 85 """"""
ما جرى من خطبتها ، فبعض صوب الرأي ، وبعض امتنع وقالوا : لا يتولى علينا غيرها لمعرفتنا بعقلها وحكمتها ، وهي وارثة الملك ؛ ووثبوا على نفر ممن خالفها فقتلوهم ، وخرجوا في جيش كثيف فلقوا جيش الخارج بأتريب فهزموه وقتلوا كثيراً ن أصحابه ، فهرب إلى أرض الشام وبها الكنعانيون من ولد عمليق ، فاستغاث بملكهم وضمن له أخذ مصر وفتحها ، فجهزه بجيش عظيم إلى مصر ، فاجتمع الأنس كلهم إلى حوريا ، ففتحت خزائن أبيها وفرقت ما فيها على الناس فأحبوها ، وقوت السحرة بالمال ووعدتهم الإحسان .
فلما تقدم أنداخس بالجيوش أمرت السحرة أن يعملوا له عملاً ، وكان على جيوشهم قائد من عظماء قواد ملكهم يقال له جيرون ؛ فلما نزلوا أرض مصر بعثت ظئراً لها من عقلاء الناس إلى جيرون سراً من أنداخس تعرفه رغبتها في تزويجه ، لأنها لا تختار أحداً من أهل بيتها ، وأنه إن قتل أنداخس تزوجت به وسلمت إليه ملك مصر ومنعت صاحبه . فرغب في ذلك وسم أنداخس بسم أنفذته إليه فقتله ؛ فوجهت إليه أنه لا يجوز أ أتزوجك حتى تظهر في بلدي قوتك حكمتك وتبني لي مدينة عجيبة - وكان افتخارهم حينئذ بالبنيان وإقامة الأعلام وعمل العجائب - وقالت له : انتقل من موضعك هذا إلى غربي بلدي فثم آثار لنا كثيرة فاقتف تلك الأعمال الغريبة وابن عليها . ففعل ذلك وبنى لها مدينة بصحراء الغرب يقال لها تندومة وجر إليها من النيل نهراً وغرس عليها غروساً كثيرة ، وأقام بها مناراً عالياً ، وعمل فوقه منظراً وصفحه بالذهب والفضة والصفر والرخام الملون والزجاج المسبوك وأبدع في عمله . وكانت تمده بالأموال وتكاتب صاحبه عنه وتهاديه وهو لا يعلم .
فلما فرغ من بناء المدينة قالت له : إن لنا مدينة حصينة كانت لأوائلنا وقد خربت منها أمكنه وتشعث حصنها فامض إليها واعمل في إصلاحها إلى أن انتقل إلى هذه المدينة التي بنيتها وأنقل إليها جميع ما يحتاج إليه ، فإذا فرغت من إصلاح تلك المدينة فأنفذ إلي جيشاً حتى أصير إليك وانظر ما صنعته ، وأبعد عن مدينتي وأهل بيتي فإني أكره أن آتيك بالقرب منهم . فمضى وجد في عمل الإسكندرية الثالثة .