كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 86 """"""
قال : وأهل التاريخ يسوقون شيئاً من أخبار أنداخس ويذكرون أنه الذي قصد الوليد بن دومع العمليقي ، وهو ثاني الفراعنة . وكان سبب قصده له أنه كانت به علة فوجه إلى المواضع ليحمل إليه من مياهها حتى يعرف ما يلائم جسده ، فوجه علاماً له فأتى مملكة مصر ووقف على كثرة خيراتها وحمل إلى صاحبه من مائها وألطافا وعاد إليه ، فعرفه حال مصر فقصدها في جيش كثيف حتى حط عليها ، وكاتب المملكة وخطب إليها نفسها ، فوجهت إليه من أشرف على حاله فوجد قوماً عظاماً لا يقوم بحربهم ، فأجابته إلى النرويج وألطفته وشرطت عليه أن يبنى لها مدينة يظهر فيها أيده وقوته ويجعلها مهراً لها ، فأجابها ودخل مصر وانتهى إلى ناحية الغرب ليبني لها المدينة ناحية الإسكندرية ، فأمرت أن يتلقى بأصناف الرياحين والفواكه وتخلق وجوه الخيل ؛ فمضى إلى الإسكندرية - وقد خربت بعد خروج العادية منها - فنقل منها ما كان من حجارتها ومعالمها وعمدها ووضع أساس مدينة عظيمة وبعث إليها مائة ألف فاعل ، فأقام في بنائها مدة وأنفق جميع ما كان معه من المال ، وكان كلما بنى بناء خرجت من البحر دواب تقلعه فإذا اصبح لم يجد منه شيئاً ؛ فاهتم لذلك . وكانت حوريا قد أنفذت إليه ألف رأس من المعز اللبون يستعمل ألبانها في مطبخه ، وكانت مع راع يثق به ، وكان ذلك الراعي يطوف بها ويرعاها هناك ، فكان إذا أراد أن ينصرف عند المساء خرجت إليه من البحر جارية حسناء فتتوق نفسه إليها ، فإذا كلمها شرطت عليه أن تصارعه فإن صرعها كانت له وإن صرعته أخذت رأسين من المعز ؛ فكانت على طول الأيام تصرعه وتأخذ من الغنم حتى أخذت أكثر من نصفها وتغير باقيها لشغله بحب تلك الصورة عن رعيها ، وتغير هو أيضاً في جسمه ونحل ، فمر به صاحبه وسأله عن حاله وحال الغنم فخبره الخبر خوف سطوته فقال : أي وقت تخرج ؟ قال : قرب المساء . فلبس ثياب الراعي وتولى رعية الغنم يومه إلى المساء ، وخرجت الجارية فشرطت عليه كما شرطت على الراعي ، فأجابها وصارعها فصرعها وقبض عليها وشدها فقالت له : إن كان لا بد من أخذي فسلمني لصاحبي الأول فإنه ألطف بي ، وقد عذبته مرة بعد مرة ، فردها إليه وقال له : سلها عن هذا البنيان الذي بنيته ويزول من ليلته من يفعل به ذلك ؛ وهل في بنائه من حيلة ؟

الصفحة 86