كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 87 """"""
فسألها الراعي عن ذلك فقالت : إن دواب البحر التي تنزع بنيانكم . قال : فهل فيها من حيلة ؟ قالت : نعم . قال : وما هي ؟ قالت : تعمل توابيت من زجاج كثيف بأغطية وتجعل فيها قوماً يحسنون الصناعة في التصوير ، وتجعل معهم صحفاً وأنقاشاً وزاداً يكفيهم أياماً ، وتجعل التوابيت في المراكب بعد أن تشدها بالحبال ، فإذا توسطوا الماء صور المصورون جميع ما مر بهم وترفع تلك التوابيت من الماء ؛ فإذا وقفتم على تلك الصور فاعملوا لها أشباهاً من الصفر أو من الحجارة أو من الرصاص وانصبوها أمام البنيان الذي تبنونه من جانب البحر ، فإن تلك الدواب إذا خرجت ورأت صورها هربت ولم تعد .
فعرفه الراعي ذلك ففعله . وتم بناء المدينة .
وقال قوم من أهل التاريخ : إن صاحب البناء والغنم جيرون المؤتفكي وكان قصدهم قبل الوليد ، وإنما أتاهم بعد حوريا وقهرهم وملك مصر . وذكروا أن الأموال اليت كانت مع جيرون نفذت كلها في تلك المدة ولم يتم البناء ، فأمر الراعي فسأل تلك الجارية فقالت : إن المدينة التي خربت ملعباً مستديراً حوله سبعة على رءوسها تماثيل من صفر قيام ، فقرب لكل تمثال منها ثوراً سميناً ولطخ العمود الذي عليه التمثال من دم الثور ، وبخره بشعر من ذنبه وشيء من نحاته قرونه وأظلافه ، وقل له : هذا قربانك فأطلق لي ما عندك ، ثم قس من كل عمود إلى الجهة اليت يتوجه إليها وجه التمثال مائة ذراع واحفر ، وليكن ذلك في وقت امتلاء القمر واستقامة زحل ؛ فإنك تنتهي بعد خمسين ذراعاً إلى بلاطة عظيمة فلطخها بمرارة الثور وأقلعها فإنك تنزل منها إلى سرب طوله خمسون ذراعاً في آخره خزانة مقفلة ومفتاح القفل تحت عتبة الباب فخذه ولطخ الباب ببقية مرارة الثور ودمه وبخره بنحاتة قرونه وأظلافه وشعره ، وادخل الباب بعد أن تخرج الرياح التي فيه ، فإنه يستقبلك صنم في عنقه لوح من صفر معلق مكتوب فيه جميع ما في الخزانة من مال وجوهر وتمثال وأعجوبة ، فخذ منه ما شئت ولاتتعرض لميت تجده ولا لما عليه ؛ وكذلك فافعل بكل عمود وتمثاله ؛ فإنك تجد في تلك الخزائن نواويس سبعة من الملوك وكنوزهم . فلما سمع ذلك سر به وفعله فوجد ما لا يدرك وصفه ، ووجد من العجائب شيئاً كثيراً ؛ فتم بناء المدينة . واتصل ذلك بحوريا فساءها ؛ وإنما كانت أرادت إتعابه وهلاكه بالحيلة عليه . فيقال : إنه فيما وجد من العجائب درج ذهب مختوم بطين ذهب فيه مكحلة زبرجد