كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 89 """"""
ولم يكن في ذلك الوقت من ولد أبيها وأهل بيته من يصلح لذلك ، فقلدت عمتها دليفة بنت ملموم ، وكانت عذراء من عقلاء النساء وكبراهن ، فعهدت إليها وأخذت لها المواثيق على أهل مصر ألا يسلموها وأن يتبعوا أمرها ، وسلمت إليها مفاتيح خزائنها ، وأطلعتها على مواضع كنوز آبائها وكنوزها ، وأمرت أن يضمد جسدها بالكافور وتحمل إلى المدينة التي بنيت لها في صحراء الغرب ، وقد كانت عملت لها فيها ناووساً وعملت فيه عجائب ونقلت إليه أصنام الكواكب ، وزينته بأحسن الزينة ونصبت له قومة ، وأسكنت تلك المدينة جماعة من الكهنة وأصحاب العلوم والمهن وبعض الجيش ، وعمرت تلك المدينة فلم تزل على حالها من العمارة إلى أن خربها بختنصر وحمل بعض كنوزها .
وجلست دليفة بنت مأمون على سرير الملك بعد وفاة حوريا ، واجتمعت الكلمة عليها وأحسنت إلى الناس ووضعت عنهم خراج سنة . وقام عليها أيمين يطلب بثأر خاله أنداخس ، واستنصر بملك العمالقة فوجه معه قائداً من قواده في جيش كثيف ، فأخرجت إليه دليفة بعض قوادها فالتقوا بالعريش ، وجل سحرة الفريقين يظهرون التخاييل الهائلة والعجائب العظيمة والأصوات التي تقرع الأسماع وتؤلمها ، فأقاموا مدة يتكافئون الحرب ويتراجعون فهلك بينهم خلق كثير ، ثم انهزم أصحاب دليفة إلى منف وسار أصحاب أيمين في آثارهم ، ومضت دليفة في جمع من جيوشها إلى ناحية الصعيد فنزلت الأشمونين وأنفذت من قدرت عليه من الجيوش ووقعت الحرب بينهم بناحية الفيوم وخلى أصحاب دليفة الماء بينهم وبين عدوهم ، واستنجدت دليفة بأهل مدائن الصعيد فحاربوا أصحاب أيمين حتى أزالوهم عن منف ، وكانوا قد ضفروا بها وعاثوا فيها ، فهزموهم حتى ركبوا المراكب وعدوا إلى ناحية الحوف ، وكان معهم ساحر من أهل ناحية قفط فأظهر بسحره ناراً حالت بينهم وبين أصحاب دليفة ، فلما