كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 90 """"""
زاد الأمر وأشفق أهل مصر من خروجها عن أيديهم سفر السفراء بينهم على أن يجعلوا البلد قسمة بينهم فأجاب كل منهما إلى الصلح ، ثم غدرت دليفة بعد ذلك بأيمين وأخرجت الأموال والجوهر وفرقتها في الناس ، وكان بعضهم قد لامها في الصلح ، فرجعت إلى الحرب فأقاموا ثلاثة أشهر ثم ظهر أيمين وهزمها إلى ناحية قوص وسار خلفها وتمكن من المملكة ، فلما رأت ذلك سمت نفسها فهلكت . وملك بعدها أيمين ، فتجبر وقتل خلقاً كثيراً ممن كان حار به . وكان الوليد بن دزمع العمليقي قد خرج في جيش كثيف يتنقل في البلدان ويقهر ملوكها ليسكن ما يوافقه منها ؛ فلما صار بالشام انتهى خبر مصر وعظم قدرها ، وأن أمرها قد صار إلى النساء وبادت ملوكها ، فوجه غلاماً له يقال له عون ، فسار إلى مصر وفتحها وحوى أموالاً ، ومولاه لا يعرف خبره ولا يشك في هلاكه وهلاك الجيش الذي معه ، لما كان يسمع عما بمصر من الطلسمات والسحر ؛ ثم اتصل به خبره فسار إلى مصر فتلقاه عون وعرفه أنه كان عزم على المسير إليه وإنما أراد تعديل البلد وإصلاحه فقبل قوله ودخل .
وملك مصر الوليد بن دومع العلميقي ، واستباح أهلها واخذ أموالها وقتل جماعة من كهنتها ، ثم سنح له أن يخرج فيقف على مصب النيل ويعرف ما بناحيته من الأمم ويغزوهم ، فأقام ثلاث سنين يستعد لخروجه ، وأصلح ما يحتاج إليه ، واستخلف عوناً على البلد وخرج في جيش كثيف فلم يمر بأمة إلا أبادها . فيقال : إنه أقام في سفره سنين كثيرة ، وإنه مر على أمم من السودان وجاوزهم ، ومر على أرض الذهب وفيها قضبان نابتة ؛ ولم يزل يسير حتى بلغ البطيخة التي ينصب ماء النيل إليها من الأنهار التي تخرج من تحت جبل القمر ؛ ثم سار حتى بلغ هيكل الشمس فدخله . ويقال : إنه خوطب فيه . وسار حتى بلغ جبل القمر ؛ وهو جبل عال . وإنما سمى جبل القمر لأن القمر لا يطلع عليه لخروجه عن خط الاستواء . ونظر إلى النيل يخرج من تحته . وقد تقدم خير النيل .