كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 91 """"""
قال : ودخل الوليد القصر الذي فيه تماثيل النحاس التي عملها هرمس الأول في وقت البودسير الأول بن قفطريم . قال : ولما بلغ الوليد جبل القمر رأى جبلاً عالياً فأعمل الحيلة وصعد عليه ليرى ما خلفه ، فأشرف على البحر الأسود الزفتي المنتن ، ونظر إلى النيل يجري عليه كالأنهار الرقاق ، أتته من ذلك البحر روائح منتنة هلك كثير من أصحابه من ريحها فأسرع النزول بعد أن كاد يهلك .
قال : وذكر قوم أنهم لم يروا شمساً ولا قمراً وإنما رأوا نوراً أحمر كنور الشمس عند مغيبها . وأقام الوليد في غيبته أربعين سنة . وأما عون الذي استخلفه بمصر فإنه فعل في غيبة الوليد ما نذكره إن شاء الله تعالى .
ذكر خبر عون وما فعله في غيبة الوليد وخبر المدينة التي بناها
قال : ولما مضت من غيبة الوليد بن دومع سبع سنين تجبر غلامه عون بمصر ، وادعى انه الملك ، وأنكر أن يكون غلاماً للوليد ، وأنه أخوه وقلده الملك بعده ، ووثب على الناس وغلبهم بالسحرة وأسنى جوائزهم ولم يمنعهم محابهم ؛ فمالوا إليه ووثقوا أمره ، فلم يترك امرأة من بنات ملوك مصر إلا نكحها ، ولا مالاً إلا أخذه وقتل صاحبه . وكان مع ذلك يلزم الهياكل ويكرم الكهنة ، فكانوا يمسكون عنه إشفاقاً منه وخوفاً من السحرة الذين معه ؛ إلى أن رأى في منامه الوليد بن دومع وكأنه يقول له : من أمرك أن تتسمى باسم الملك ، وقد علمت أنه من فعل ذلك استحق القتل ، ونكحت بنات الملوك وأخذت الأموال بغير واجب ، ثم أمر بقدور فملئت زيتاً وأحميت على أنه يغمر فيها ، فلما غلت أمر بنزع ثيابه فأتى طائر في صورة عقاب فاختطفه من أيديهم وحلق به في الجو وجعله في هوة على رأس جبل ، وانه سقط من رأس الجبل إلى واد فيه حية ، فانتبه مرعوباً طائر العقل . وقد كان في فعله ذلك وتملكه إذا خطرت بقلبه من ذكر الوليد خطرة كاد عقله يزول ، خوفاً منه لما يعلمه من فظاظته وبطشه وقوته . ولم يتيقن هلاكه وأضمر في نفسه الهرب من مصر بما معه من الأموال .
قال : ولما رأى الرؤيا لم يشك في حياة الوليد وأنه سيعود ، فأطلع بعض السحرة ممن يثق به على أمره وقال : إني خائف من الويد وقد عزمت على الخروج

الصفحة 91