كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 92 """"""
من مصر فما الوجه عندكم ؟ قالوا : نحن ننجيك منه على أن تقبل منا .
قال : قولوا ، قالوا : تعمل عقاباً وتعبده ؛ فإن الذي حصنك منه أحد الروحانيين وهو يريد ذلك منك . قال عون : أشهد لقد قال لي وأنا معه : أعرف لي هذا المقام ولا تنسه . قالوا : قد بينا لك . فأجابهم إلى ذلك وعمل عقاباً من ذهب وعمل عينيه جوهرتين ووشحه بأصناف من الجوهر ، وعمل له هيكلاً لطيفاً وجعله في صدره وأرخى عليه ستور الحرير ، وأقبل أولئك يبخرونه ويقربون إليه ويسحرون إلى أن نطق لهم ، فأقبل عون على عبادته ودعا الناس إليه فأجابوه . فلما مضى لذلك مدة أمر العقاب ببناء مدينة يحوله إليها وتكون معقلاً له وحرزاً من كل أحد . فأمر عون أصحابه أن يخرجوا إلى صحارى الغرب ويطلبوا كل أرض سهلة حسنة الاستواء ، ويكون المدخل إليها بين هجول صعبة وجبال وعرة ، ويتوخوا أن تكون قريبة من ناحية مغيص الماء التي هي اليوم الفيوم . وكانت مغيضاً لماء النيل حتى أصلحها يوسف عليه السلام على ما نذكره إن شاء الله . وإنما أراد عون بذلك ليجر الماء منها إلى مدينته التي يبنيها ؛ فخرج أصحابه وأقاموا شهراً يطوفون الصحارى حتى وجدوا له بغيته ، ولم يبق فاعل ولا مهندس ولا أحد ممن يبصر البناء ويقطع الصخور وينحتها إلا وجه به عون إليها ، وأنفذ معهم ألف رجل من جيشه وسبعمائة ساحر يعاونونهم بالروحانيين الذين في طاعتهم ، وأنفذ معهم جميع الآلات وأقام يحمل لهم الزاد إلى هناك شهوراً على العجل ؛ وطريق العجل على الفيوم واضحة في صحراء الغرب وخلف الأهرام - وهي التي يقصدها أصحاب المطالب - مشهورة .
قال : فلما تكامل له ما أراد من ذلك ومن تحت الأحجار خطوا المدينة فرسخين في فرسخين ، وحفروا في الوسط بئراً وجعلوا في تلك البئر تمثال خنزير من نحاس بأخلاط ونصبوه على قاعدة من نحاس وجعلوا وجهه إلى الشرق ، وكان ذلك بطالع زحل واستقامته وسلامته من المتضادين له في شرفه ، وأخذوا خنزيراً فذبحوه له ولطخوا وجهه بدمه وبخروه بشعره ، وأخذوا شيئاً نم عظامه ولحمه ومرارته فجعلوه