كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 93 """"""
في جوف ذلك الخنزير والنحاس ، وجعلوا في أذنيه شيئاً من مرارته ، وأحرقوا بقية الخنزير ، وجعلوا رماده في قلة نحاس بين يدي الخنزير النحاس ، ونقشوا عليه آيات زحل ، ثم شقوا في البئر أخدوداً من أربعة وجوه شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً ، ومدوا تلك الأخاديد إلى حيطان المدينة ، وعملوا على أفواهها مسارب تجتلب الرياح إليها ، ثم سدوا البئر وعملوا عليها قبة على عمد مربعة ، وجعلوا منها شوارع كل شارع ينتهي إلى باب من أبواب المدينة وفصلوها بالطرقات والمنازل ، وجعلوا حول القبة تماثيل فرسان من نحاس بأيديها حراب ووجوهها مقابلة لتلك الأبواب ، وجعلوا أساس المدينة من حجر أسود وفوقه أحمر وفوقه أصفر وفوقه أخضر ، وفوق الجميع أبيض يشف ، مثبتة كلها بالرصاص المصبوب بين الحجارة ، وقلوبها أعمدة من حديد على وضع بناء الأهرام ؛ وجعل طول حصنها ستين ذراعاً في عرض عشرين ذراعاً ، ونصب على كل راس باب من أبوابها في أعلا الحصن تمثال عقاب كبير من صفر وأخلاط ناشر الجناحين أجوف ، وعلى كل ركن صورة فارس بيده حربة ووجهه إلى خارج المدينة ؛ وساق الماء إلى ناحية الباب الشرقي ينحدر في صبب إلى الباب الغربي ويخرج إلى صهاريج هناك ، وكذلك من الباب الجنوبي إلى الشمالي ، وقرب لتلك العقبان عقباناً ذكوراً ، واجتذب الرياح إلى أفواه التماثيل ، فكانت الرياح إذا دخلتها سمعت لها أصوات شديدة لا يسمعها أحد إلا هالته ، وصمدها بعفاريت تمنع الداخل إليها إلا أن يكون من أهلها ، ونصب العقاب الذي كان يعبده تحت القبة التي في وسط المدينة على قاعدة لها أربعة أركان في كل ركن منها وجه شيطان ، وجعلها على عمود يديرها ، والعقاب يدور إلى كل الجهات الأربع ، ويقيم فيها ربع السنة ، يقرب إليه من جهتها .
فلما فرغ من ذلك كله حمل إليها جميع الأموال والجواهر المخزونة بمصر وما وجده في خزائن الملوك ، ومن التماثيل والحكم وتراب الصنعة والعقاقير والسلاح وغير ذلك ، وحول إليها كبار السحرة والكهنة وأصحاب الصنائع والتجار ، وقسم المساكن بينهم لا يختلط أهل صنعة بغيرها ، وعمل لها ربضاً يحيط بها ، وبنى فيه

الصفحة 93