كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 94 """"""
منازل لأصحاب المهن والزراعة ، وعقد على تلك الأنهار قناطر يمر عليها الداخل إلى المدينة ، وجعل الماء يدور حول الربض ؛ ونصب عليها أعلاماً وحرساً ؛ ثم غرس وراء ذلك بالبرية النخل والكروم وأصناف الأشجار ، ومن وراء ذلك مزارع الغلات من كل جهة ، وكان يرتفع له بها في كل سنة نا يكفيه لعشر سنين ، كل ذلك خوفاً من الوليد .
قال : وبين هذه المدينة وبين منف ثلاثة أيام ؛ فكان عون يخرج إليها فيقيم بها عشرة أيام ثم يعود إلى منف ، وكان لها رابعة أعياد في السنة ؛ وهي الأوقات التي يتحول العقاب فيها . فلما تم ذلك كله لعون اطمأن قلبه ، وسكنت نفسه .
ذكر عود الوليد إلى مصر وهرب عون إلى مدينته
قال : ثم وافا كتاب الوليد بن دومع من نواحي النوبة إلى عون يأمره أن ينفذ إليه الأزواد وينصب له الأسواق ؛ فوجه إليه ذلك في المراكب وعلى الظهر ، وحول جميع عياله ومن اصطفاه من بنات ملوك مصر وكبرائها إلى المدينة ، حتى إذا قرب دخول الوليد إلى مصر خرج عون إلى مدينته وخلف خليفة على مصر بين يدي الوليد . ودخل الوليد مدينة منف وتلقاه أهل مصر وشكوا إليه عوناً وما حل بهم منه . قال : وأين هو ؟ قالوا : فر منك . فغضب الوليد وأمر بجيش كثيف ينفذ إليه ، فعرفوه أن الجيش لا يصل إليه ، وأخبروه خبر المدينة وكيف بناها وخبر السحرة الذين معه . فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه ويحذره التخلف عنه ، ويقسم أنه إن لم يفعل وظفر به بضع لحمه بضعاً . فرد جوابه يقول : ما على الملك مني مؤنة ، وأنا لا أتعرض إلى بلده ولا أعيث فيه ؛ لأني عبده ، وأنا له في هذا الموضع أرد كل عدو يأتيه من نواحي الغرب ، ولا اقدر على المصير إليه لخوفي منه ، فليقرني الملك بحالي كأحد عماله وأوجه إليه ما يلزمني من الخراج والهدايا . ووجه إليه بأموال جليلة وجوهر نفيس . فلما رأى ذلك كف عنه . وأقام الوليد بمصر فاستبعد أهلها واستباح حريمهم وأموالهم . وملكهم مائة وعشرين سنة فأبغضوه وسئموا أيامه . واتفق أنه ركب

الصفحة 94