كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 95 """"""
في بعض الأيام إلى الصيد فألقاه فرسه في وهدة فهلك ، وكان ابنه الريان ينكر عليه فعله ولا يرضاه . فلما هلك عمل له ناووساً قرب الأهرام . وقيل : بل دفن في الهرم .
ثم ملك بعده ابنه الريان بن الوليد بن دومع ؛ وهو فرعون يوسف عليه السلام ، والقبط تسميه نهراوش ، وجلس على سرير الملك . وكان عظيم الخلق ، جميل الوجه ، عاقلاً متمكناً ؛ فتكلم ومني الناس وضمن لهم الإحسان وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين ، فاثنوا عليه وشكروه ، وأمر بفتح الخزائن وفرق ما فيها على الخاص والعام ، وتمكنت منه أريحية الصبا فملك على الرعية رجلاً من أهل بيته يقال له أطفين ، وقيل في اسمه : قطفير ، وقيل : قوطيفر ، وهو الذي يسميه أهل الأثر العزيز . وكان من أولاد الوزراء . وكان عاقلاً أديباً متمكناً صائب الرأي كثير النزاهة مستعملاً للعدل والعمارة والإصلاح . وأمر الريان أن ينصب له في قصر الملك سرير من الفضة يجلس عليه ويغدو ويروح إلى باب الملك ، ويخرج بجميع الوزراء والعمال والكتاب بين يديه ؛ فكفى الريان ما خلف سريره وقام بجميع أمره وأخلاه لذاته ؛ فأقام الريان منعكفاً على قصفه ولهوه منغمساً في لذته لا ينظر في عمل ولا يظهر للناس ولا يخاطبهم ، فأقاموا بذلك حيناً . هذا والبلد عامر .
وبلغ الخراج في وقته سبعة وتسعين ألف ألف مثقال فجعلها أقساماً ، فما كان للملك وأسبابه وموائده حمل إليه ، وما كان في أرزاق الجيش والكهنة والفلاسفة وأصحاب الصنائع ومصالح البلد وأهل المهنة صرف إليهم ، والملك مع ذلك غير سائل عن شيء ؛ قد عملت له مجالس من الزجاج الملون وأجرى حولها الماء وأرسلت فيها الأسماك المقرطة ، فكانت الشمس إذا وقعت على المجلس منها أرسل شعاعاً عجيباً يبهر العيون .
وعملت له عدة متنزهات على عدد أيام السنة ، فكان كل يوم في موضع منها ، وفي كل موضع منها من الفرش والآنية والآلات ما ليس في غيره .

الصفحة 95