كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 96 """"""
فلما اتصل بملوك النواحي تشاغل الريان بلذاته وتدبير العزيز لأمره ، قصده رجل من العمالقة يقال له عاكن بن بيجوم وكنيته أبو قابوس ، وقصد مصر حتى نزل على حدودها ، فأنفذ إليه العزيز جيشاً كثيفاً وجعل عليه قائداً يقال له بريانس ، فأقام ثلاث سنين يحاربه ، ثم ظفر به العمليقي ودخل من الحدود وهدم أعلاماً ومصانع كثيرة ، وتمكن طمعه في البلد فأعظم أهل مصر ذلك واجتمعوا إلى قصر الملك وجعلوا يصيحون ويستغيثون ويرفعون أصواهم حتى سمعها الملك فقال : ما بال الناس ؟ فأخبر خبر المعليقي وأنه قد دخل عمل مصر وعاث وأفسد المزارع والمصانع والأعلام ، وأنه سار بجيشه إلى قصر الملك ، فارتاع الريان لذلك وأنف منه وانتبه من غفلته وعرض جيوشه وأصلح أمره وخرج في ستمائة ألف مقاتل سوى الأتباع ، فالتقوا من وراء الأحواف في تلك الصحراء ، واقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم العمليقي واتبعه الريان إلى حدود الشام وقتل من أصحابه خلقاً وأفسد زرعهم وأكثر أشجار الفواكه والزيتون ، وأحرق وصلب ونصب أعلاماً على الموضع الذي بلغه وزبر عليها : إني لمن يجاور هذا المكان بالمرصاد . فلما تم له هذا الظفر هابته الملوك ولاطفوه وأعظموه . وقيل : إنه بلغ الموصل وضرب على الشام خراجاً وبنى عند العريش مدينة لطيفة وشحنها هي وتلك الناحية بالرجال ، ورجع إلى مصر فحشد جنوده من جميع الأعمال ، واستعد لغزو ملوك الغرب فخرج في تسعمائة ألف واتصل بالملوك خبره ، فمنهم من تنحى عن طريقه ، ومنهم من دخل تحت طاعته . ومر بأرض البربر فأجلى كثيراً منهم ، ووجه قائداً يقال له مريطس في سفن فركب البحر من ناحية رقودة . ومر الريان بجزائر بني يافث فعاث فيها واصطلم أهلها ، وخرج من ناحية أرض البربر فقتل بعضهم وصالح بعضهم وحملوا إليه الأموال ، ومضى إلى إفريقية وقرطاجنة فصالحوه على أموال وألطاف كثيرة حملوها إليه ، ومر حتى بلغ مصب البحر الأخضر وهو موضع الأصنام النحاس ، فأقام هناك صنماً وزبر عليه اسمه وتاريخ الوقت الذي خرج فيه ، وضرب على أهل تلك النواحي خراجاً ، وعدي إلى الأرض الكبيرة وصار في الأفرنجة ، والأندلس في حوزهم وعليها لذريق الأصغر ، فحاربه أياماً وقتل من أصحابه خلقاً وصالحه بعد ذلك على ذهب مضروب ، وعلى ألا يغزو مصر ويمنع من رام ذلك من جميع أهل النواحي ، وانصرف مشرقاً فشق بلد البربر فلم يمر بموضع إلا