كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 97 """"""
خرج أهله بين يديه واهدوا له وأدخلوا تحت طاعته . ثم أخذ نحو الجنوب ومر ببلد الكوسانيين فحاربوه فقتل خلقاً كثيراً ، وبعث قائداً إلى مدينة على عبر البحر الأخضر فخرج إليه ملك المدينة وأهلها فعرفهم حال الريان ومصالحة الملوك له فقالوا : ما بلغنا أحد قط ، وسألهم هلة ركب هذا البحر أحد ؟ فقالوا : ما يستطيع أحد أن يركبه ، وأخبروه أنه ربما أظله الغمام فلا يرونه أياماً ، وأتى الريان فتلقوه بهدايا وفاكهة أكثرها المور ؛ وحجارة سود فإذا جعلت في الماء صارت بيضاء ، ثم تركهم وسار إلى أمم السودان حتى بلغ ملك الدمدم الذين يأكلون الناس ، فخرجوا إليه عراة بأيديهم العمد الحديد ، وخرج ملكهم على دابة وهو عظيم الخلق له قرون ، وكان جسيماً أحمر العينين ، فظفر بهم فانهزموا إلى أوحال وأدغال فلم يتهيأ له أتباعهم فيها ، وجازهم إلى قوم على خلق القرود لهم أجنحة صغار يثبون بها من غير ريش . ومر على عبر البحر المظلم فغشيهم منه غمام فرجع شمالاً حتى انتهى إلى جبل يقال له وسن ، فرأى فوقه تمثالاً من حجر أحمر يومي بيده : إرجعوا وعلى صدره مزبور : ما ورائي أحد . فتركه وسار راجعاً فانتهى إلى مدينة النحاس فلم يصل إليها . ومضى حتى بلغ الوادي المظلم فكانوا يسمعون منه جلبة عظيمة ولا يرون أحداً لشدة ظلمته . وسار حتى انتهى إلى وادي الرمل ورأى على عبرة أصناماً عليها أسماء الملوك قبله فأقام معها صنماً وزبر عليها اسمه . فلما أسبت الرمل جاز عليه إلى الخراب المتصل بالبحر الأسود ، وسمع جلبة وصياحاً هائلاً فخرج في شجعان أصحابه حتى أشرف على السباع المقرنة الأنوف ، فإذا بعضها تهتر وتأكل بعضها بعضاً ، فعلم أنه لا مذهب له من ورائها فرجع ، وعدى وادي الرمل ومر بأرض العقارب فهلك بعض أصحابه ورفعوها عنهم بالرقي التي يعرفونها ، ثم جاوزهم حتى انتهى إلى مكان صلوفة وهي حية عظيمة ، فهجموا عليها ولم يعرفوها وظنوا أنها جبل ، ثم عرجوا عنها وتعوذوا منها بالرقي . قال : ويزعم القبط أنه منعها من الحركة بسحره وتركها فهلكت . وقيل : إن تعريج هذه الحية ميل وأنها كانت تبتلع السباع هناك .

الصفحة 97