كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 98 """"""
وسار حتى بلغ مدينة الكند ، وهي مدينة الحكماء ، فتهاربوا منه إلى جبل صعدوه من مواضع يعرفونها من داخل مدينتهم لم يعرفها غيرهم ، ولم يجد الريان ومن معه إلى الصعود إليها سبيلاً ، فأقاموا عليها أياماً وكادوا يهلكون من العطش ، فنزل إليهم من الجبل رجل يقال له مندوس ، كان من أفاضل الحكماء وقد لبس شعره جسده ، فقال : أين تريد أيها المغرور الممدود له في الأجل المرزوق الكفاية أتعبت نفسك وجيشك ألا اقتنعت بما تملكه واتكلت على خالقك وربحت الراحة وتركت العناء والغرور بهذا الخلق . فعجب الملك من قوله وسأله عن الماء فدله عليه ، وسأله عن موضعهم فقال : موضع لا يصل إليه أحد ولا بلغه قبلك أحد . قال : فما عيشكم ؟ قال : من أصول نبات لنا نعتصم به ونقنع بأكله ويكفينا اليسير . قال : فمن أين تشربون ؟ قال : من نقار الماء من الأمطار . قال : فلم هربتم منا ؟ قال : رغبة عن خلطتكم وإلا فليس لنا ما نخاف عليه . قال : فكيف تكونون إذا حميت عليكم الشمس ؟ قال : في غيران تحت هذه الجبال . قال : فهل تحتاجون إلى مال أخلفه لكم ؟ قال : إنما يريد أهل البذخ ونحن لا نستعمل منه شيئاً ، استغنينا عنه بما قد اكتفينا به ، وعندنا منه مالو رأيته لحقرت ما عندك . قال : فأرنيه ، فانطلق به مع نفر من أصحابه إلى أرض في سفح جبلهم فيها قضبان الذهب نابته ، وأراهم وادياً حافتاه حجارة الزبرجد والفيروذج ، فأمر الريان أصحابه أن يأخذوا من كبار تلك الحجارة ففعلوا ؛ ورآهم الحكيم يصلون إلى صنم يحملونه معهم ، فسألهم ألا يقيموا بأرضهم خوفاً من عبادة الأصنام ؛ فسأله الملك أن يدله على الطريق ففعل ، وودع الحكيم وسار على السمت الذي وصفه له . فلم يمر بأمة إلا أبادها وأثر فيها إلى أن بلغ بلد