كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 16)
"""""" صفحة رقم 156 """"""
قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ووصفا لهم أمره ، وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا لهم : انكم أهل التوراة ، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا فقال لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فا أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وا لم يفعل فالرجل متقول ، فرواً فيه رأيكم ، سلوه عن فتيةٍ ذهبوا في الدهر الأول ، ما كان من أمرهم ؟ فانه قد كان لهم حديثٌ عجيب ؛ وسلوه عن رجل طوافٍ قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ؛ ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فا أخبركم بذلك فاتبعوه فانه نبي ، وا لم يفعل فهو رجل متقول فروا فيه رأيكم . فجاءوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : يا محمد ، أخبرنا عن فتيةٍ ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب ؛ وعن رجل كان طوافاً قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ؛ وأخبرنا عن الروح ما هي ؟ فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أخبركم بما سألتم عنه غدا ولم يستثن بالمشيئة ، فانصرفوا عنه ، فمكث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيما يزعمون خمس عشرة ليلةً لا يحدث الله في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مكث الوحي عنه ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ؛ ثم جاءه جبريل من الله بسورة الكهف فيها خبر ما سألوا عنه ، فيقال : انه ( صلى الله عليه وسلم ) قال لجبريل حين جاءه : لقد احتبست عني حتى سؤت ظناً ؛ فقال له جبريل : " وَمَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كان رَبُّكَ نَسِياً " .
ذكر ما اشتملت عليه سورة الكهف مما سألوه عنه
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه الله تعالى : افتتح الله عز وجل السورة بحمده ، وذكر نبوة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : " الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي انزَلَ عَلَي عَبْدِهِ الْكِتَابَ " يعني محمداً . قوله : " وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً " أي معتدلاً لا اختلاف فيه . قوله : " لِيُنْذِرَ بَأساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ " أي عاجل عقوبته في الدنيا وعذاباً أليما في الآخرة . قوله : " وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِالَهُمْ أجْراً حَسَناً . مَاكِثِينَ فِيهِ أبَداً " أي دار الخلد لا يموتون فيها الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم ، وعملوا بما أمرتهم من الأعمال . قوله : " وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً " يعني قريشا في قولهم :