كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 16)
"""""" صفحة رقم 160 """"""
على الله واستمروا في طغيانهم وعلى كفرهم ، فقال قائلهم : " لاَ تَسْمَعُوا لِهذَا القُرا وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ " . فانكماناظرتموه وخاصمتموه غلبكم . فقال أبو جهل يوماً - وهو يهزأ برسول الله وما جاء به من الحق - : يا معشر قريش ، يزعم محمد انما جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر ، وأنتم أكثر الناس عدداً وكثرة ، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم . فانزل الله تعالى في ذلك : " وَمَا جَعَلْنَا أصْحَابَ النَّارِ إلاَّ مَلاَئكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا " إلى آخر القصة . قال : ولما قال بعضهم لبعض : لا تسمعوا لهذا القرا والغوا فيه جعلوا إذا جهر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالقرا وهو في صلاته يتفرقون عنه ، ويأبونايسمعوا له ، فكان الرجل منهم إذا أرادايستمع من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعض ما يتلو من القرا وهو يصلي استرق السمع دونهم فرقاً منهم ، فا رأى انهم قد عرفوا به انه يستمع منه ذهب خشية أذاهمايستمع ؛ وا خفض ( صلى الله عليه وسلم ) صوته ظن الذي يستمع انهم لا يستمعون شيئاً من قراءته ؛ وسمع هو شيئاً دونهم أصاخ له يستمع منه ، فانزل الله تعالى قوله : " وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً " يقول : لا تجهر بصلاتك فيفروا عنك ، ولا تخافت بها فلا يسمعها من يحبايسمعها ممن يسترقها دونهم لعله يرعوى إلى بعض ما يسمع فينتفع به .
ذكر أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
روى عن عروة بن الزبير عن أبيه قال : كان أول من جهر بالقرا بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عبد الله بن مسعود . قال : اجتمع يوماً أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : والله ما سمعت قريش هذا القرا يجهر لها به قط من رجل يسمعهموه . فقال عبد الله بن مسعود : انا ؛ قالوا : انا نخشاهم عليك ، انما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم ان أرادوه ، قال : دعوني ، إن الله سيمنعني ؛ قال : فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في وقت الضحى وقريشٌ في انديتها ثم قال رافعاً صوته : " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم . الرَّحْمنُ . عَلَّمَ القُران " ثم استقبلها يقرؤها وتأملوه فجعلوا يقولون : ماذا قال ابن أم عبد ؟ ثم قالوا : انه ليتلو بعض ما جاء به محمد ؛ فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللهايبلغ ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه ، فقالوا : هذا الذي خشينا عليك . قال : ما كان أعداء الله