كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 16)

"""""" صفحة رقم 167 """"""
وأما جهة المعنى : فقد قامت الحجة ، وأجمعت الأمة على عصمته ( صلى الله عليه وسلم ) ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة . أما من تمنيهاينزل عليه مثل هذا من مدح آلهةٍ غير الله وهو كفر ، أوايتسور عيلان لشيطان ، ويشبه عيلان لقرا حتى يجعل فيه ما ليس منه ، ويعتقد النبي ( صلى الله عليه وسلم )امن القرا ما ليس منه ، حتى ينبهه جبريل عليهما السلام ، وذلك كله ممتنع في حقه ( صلى الله عليه وسلم ) ، أو يقول ذلك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من قبل نفسه عمدا - وذلك كفر - أو سهوا وهو معصوم من هذا كله ، وقد تقرر بالبرها والإجماع عصمته عيلان لسلام من جريا الكفر على قلبه أو لسانه لا عمداً ولا سهوا أوايتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقي الشيطان ، أو يكون للشيطا عليه سبيل ، أو يتقول على الله ؛ لا عمداً ولا سهوا وقد قال تعالى : " وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ " الآية ، وقال : " إذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وضِعْفَ المَمَاتِ " الآية .
ووجه ثان ، وهو استحالة هذه القصة نظراً وعرفا وذلكاهذا الكلام لو كان كما روى لكا بعيد الالتئمام ، متناقض الأقسام ، ممتزج المدح بالذم ، متخاذل التأليف والنظم ؛ ولما كان البي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك - وهذا لا يخفى على أدنى متأمل - فكيف بمن رجح حلمه ، واتسع في باب البيا ومعرفة فصيح الكلام علمه ؟ ووجه ثالث ، انه قد علم من عادة المنافقين ، ومعاندي المشركين ، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة ، وتخليط العدو على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لأقل فتنة ، وتعييرهم المسلمين ، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأقل شبهة ؛ ولم يحك أحد في هذه القصة شيئاً سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة ، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة ، كما فعلوا في قصة الإسراء وقصة القضية ، ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت ، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت ؛ فما روى عن معاند فيها كلمة ، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة ؛ فدل على بطلها واجتثاث أصلها .
قال القاضي عياض : ولا شك في إدخال بعض شياطين الأنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفلي المحدثين ، ليلبس به على ضعفاء المسلمين .

الصفحة 167